الاستصحاب في الشريعة الاسلامية


الاستصحاب في الشريعة الاسلامية

المحامي و الباحث محمد اسماعيل منصور https://www.youtube.com/@Lawyer_muhammad_ismail_mansour

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين قيوم السماوات والأراضين مدبر الخلائق أجمعين نحمده على جميع نعمه ونسأله المزيد من فضله وكرمه واشهد ان لا اله إلا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله افضل المخلوقين المكرم بالقران العظيم المعجزة المستمرة على تعاقب السنين وبالسنن المستنيرة للمسترشدين المخصوص بجوامع الكلم وسماحة الدين  .
اما بعد
  إن علم أصول الفقه من أجل العلوم الإسلامية، وهو من العلوم التي تميز بها التشريع الإسلامي الذي لم يسبقه إلى مثله تشريع آخر، وقد صنف العلماء السابقون فيه مصنفات قيمة، وقد برز في التصنيف فيه مذهبان الأول سمي بمذهب الحنفية، والثاني بمذهب الشافعية أو مذهب المتكلمين، وهما توأمان متقاربان، والفارق بينهما أن مذهب الحنفية يؤصل القواعد الأصولية منطلقا من الأحكام الفرعية التي تنطوي تحتها، أما المذهب الثاني فيقوم بافتراض القواعد الأصولية أولا، ثم يبحث عن الفروع الفقهية التي تتسق معها.
ونظرا لكثرة المسائل الفقهية التي تتأسس على الاستصحاب في عصرنا الحاضر كمصدر من مصادر التشريع الاسلامي نتعرض هنا لمدخل موصل له ثم نتعرض لبيان مفهومه وتقسيماته وحجيته وأقوال العلماء فيه وبعض المسائل التي تتفرع عنه .
أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعني بعلمي وعملي وان ينفع بيِ ، وأن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه الكريم، وأن يعفو عما يكون قد زل به القلم أو أخطأه الفكر، والله تعالى من وراء القصد، وهو أجل وأعلم.
           
                             والحمد لله رب العالمين


تعريف علم أصول الفقه:
ينظر علماء أصول الفقه إلى تعريف هذا العلم من زاويتين اثنتين هما:
أ - أنه مركب إضافي يتألف من كلمتين هما أصول، وفقه.
ب- أنه علم مستقل له أبحاث قائمة بذاتها. [1]

وعلى ذلك يكون لعلم أصول الفقه تعريفان لدى العلماء،  الأول على اعتبار انه تركيب إضافي، والثاني على اعتبار انه لقب لعلم قائم بذاته.
وعلماء الاصول لم يتفقوا على تعريف علم اصول الفقه وفقا للاعتبارين السابقين فمنهم من اقتصر على تعريفه بالمعنى اللقبي كالإمام البيضاوي[2].
والبعض الاخر تعرض لتعريفه بالمعنيين اللقبي والاضافي كالرازي[3] ، وابن الحاجب[4]  ،والكمال ابن الهُمام [5] ، وصدر الشريعة [6] ، لكن هؤلاء اختلفوا في تقديم أي التعريفين على الاخر

تعريفات العلماء لعلم اصول الفقه :
عرفه صدر الشريعة بانه :العلم بالقواعد التي يتوصل بها الى الفقه على وجه التحقيق "[7]
وعرفه الغزالي الشافعي بأنه " عبارة عن ادلة هذه الاحكام (أي الاحكام الشرعية الثابتة لأفعال العباد) وعن معرفة وجوه دلالتها على الاحكام من حيث الجملة لا من حيث التفصيل "[8]
عرف الشافعية علم أصول الفقه بالمفهوم اللقبي له بقولهم: (هو معرفة دلائل الفقه إجمالا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد). [9]
وعرف جمهور الفقهاء -وفيهم الحنفية والمالكية والحنبلية- أصول الفقه بأنه: (العلم بالقواعد الكلية التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية). [10]
ومن افضل التعريفات لهذا العلم تعريف الامام الرازي القائل " مجموع طرق الفقه على سبيل الاجمال وكيفية الاستدلال بها وكيفية حال المُستَدِلُ بها"[11]
موضوع علم أصول الفقــــــــه:
ذهب الآمدي من الأصوليين إلى أن موضوع علم أصول الفقه هو الأدلة الإجمالية الأربعة، من حيث إثباتها للأحكام الشرعية، فلا يبحث فيه عن هذه الأحكام إلا بطريق العرض ليتمكن من نفيها أو إثباتها.
وذهب الإمام الغزالي إلى أن موضوعه الأحكام التشريعية من حيث ثبوتها بالأدلة، فتكون الأحكام عن هذه الحيثية أصلاً و جزءاً من أجزاء هذا العلم.
وذهب الإمام سعد الدين التفتازاني مذهباً وسطاً بين المذهبين السابقين، فنص على أن موضوعه الأدلة من حيث إثباتها للأحكام والأحكام من حيث ثبوتها بالأدلة، فيكون بذلك كل من الأحكام والأدلة أساسا من أسس هذا العلم. وهذا هو المذهب الذي ارتضاه أكثر الأصوليين.[12]
وفقا لما سبق فان الاستصحاب يعد داخلا في موضوع علم اصول الفقه حيث انه ضمن مصادر الاحكام وهذا ما سيظهر من خلال تلك الوريقات بإذن الله جل وعلا  .

الفائدة من دراسة علم أصول الفقه: [13]

الفائدة الأصلية من علم أصول الفقه هي معرفة طرق استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها وضوابط هذا الاستنباط، وبذلك يكون هذا العلم الأداة التي يستخدمها المجتهد في استخراجه الأحكام من أدلتها، وإذا كان الأمر كذلك فهذا يعني أن علم الأصول لا يستطيع أن يستفيد منه إلا المجتهدون، بل هو مقصور عليهم، وبذلك يثار تساؤل كبير، فأي فائدة لنا من هذا العلم بعد ما أقفل كثير من الفقهاء باب الاجتهاد، وعلى التسليم بعدم إقفال هذا الباب فأي فائدة لطالب العلم العادي أو للفقيه بصورة عامة من هذا العلم إن لم يبلغ درجة الاجتهاد؟ والجواب على ذلك واضح لا لبس فيه، نعم إن الفائدة الأساسية لهذا العلم هي التبصير بقواعد الاستنباط مما يمكِّن المجتهد من استنباط الأحكام من أدلتها، وعلى ذلك لا يكون مفيداً إلا للمجتهدين فقط، ولكن لا يعني هذا أنه ليس هناك أي فائدة أخرى لهذا العلم وراء تلك الفائدة! إذ هنالك فوائد أخرى كثيرة تأتي تبعاً لتلك الفائدة الرئيسة، وأهم هذه الفوائد هـي:
1- الفائدة التاريخية، وهي اطلاع المتعلم على تلك القواعد الدقيقة التي استنبط الفقهاء بواسطتها الأحكام، ليزداد وثوقه بدقة الأحكام وأصالتها، مما يثير العزة في نفوس المؤمنين والرضا الكامل عما قدمه المجتهدون لهم من علم الفقه الذي يحتكمون إليه في كل علاقاتهم ومعاملاتهـم.
2- اكتساب الملكة الفقهية التي تمكن الطالب من الفهم الصحيح والإدراك الكامل للأحكام الفقهية، والاطلاع على طرق الاستنباط الدقيق للاستفادة منها والقياس عليها إذا ما دعت الحاجة، وهي لابد داعية إلى ذلك، فإن النصوص التشريعية والقواعد الفقهية محدودة ومشاكل الناس ومسائلهم لا حدود لها، ومن المنطقي أن لا يصلح المحدود حلا لغير المحدود، مما يضطر الفقيه عند تعرضه لبعض الوقائع التي لا نص عليها لدى الفقهاء من إعمال فكره والاستفادة من الملكة الفقهية التي احتواها في استنباط أحكام هذه المسألة على النسق الذي استنبط المجتهدون به مسائلهم وأحكامهم.
3   - الموازنة والمقارنة بين المذاهب والآراء الفقهية لبيان الأرجح والأصح والأولى بالقبول منها، استناداً إلى الدليل الذي صدر عن قائلها، فإن لكل قول من أقوال الفقهاء معياراً أصولياً خاصاً استند إليه، ولابد في الترجيح من جمع هذه المعايير والموازنة بينها على أسس علم أصول الفقه وقواعده، للوصول إلى الرأي أو المذهب الذي يشهد له الدليل الأقوى والأصح.

             الفصل الاول  
  الأدلة الشرعية او مصادر التشريع  

ان الأحكام الشرعية إنما وردتنا عن الشارع الحكيم بطرق ووسائل معينة، فإرادة الشارع هي المصدر الأصلي للأحكام، ولكننا لا نستطيع الوقوف على إرادة الشارع الحكيم بشكل مباشر، لأنه أمر مستحيل، ولذلك كان لا بد من التعرف عليها من طرق متعددة، وهذه الطرق هي ما يسمى بالمصادر التشريعية.
وهذه المصادر منها ما هو قطعي الدلالة على إرادة الشارع، ومنها ما هو ظني الدلالة، بمعنى أن دلالته على إرادة الشارع منه محتملة للعكس، ولو كان هذا الاحتمال مغلوبا، ثم إن ثبوت هذه الأدلة وصحة نقلها إلى الشارع الحكيم قد يكون مقطوعا به وقد يكون مظنونا أيضا، فالقرآن الكريم قطعي الثبوت لا شك في ذلك في جملته وتفصيله، لأنه ورد إلينا بطريق التواتر، وكذلك السنة الشريفة   النبوية، فهي في جملتها قطعية الثبوت، ولكنها في مفرداتها ليست كذلك كلها، فإن منها ما هو متواتر قطعي الثبوت،  ومنها ما هو خبر آحاد، وهو لا يكون مقطوعا به بحال، بل هو ظني الثبوت.
فالحكم المقطوع به ثبوتا ودلالة لا محل للنظر فيه،  وبالتالي لا مكان للاختلاف فيه، أما الحكم المظنون إن ثبوتا أو دلالة،  فهو ميدان للنظر والاجتهاد والتقدير، ولهذا فإننا نرى أن الأحكام التي تثبت أدلتها بالقطع لم يختلف فيها أحد من الفقهاء،  ومن ذلك أكثر الفرائض والواجبات وكل الأحكام المتعلقة بالله سبحانه وتعالى،  أما الأحكام التي ثبتت بأدلة مظنونة، فهي التي كانت مثار خلاف وتقدير لدى الفقهاء،  ومعلوم أن أكثر أحكام الشريعة إنما كان ظني الثبوت أو الدلالة، وذلك لحكمة كبيرة قضت بها إرادة الشارع، وهي التوسعة على الناس ورفع الحرج عنهم .[14]
المبحث الاول
الأدلة الشرعية او مصادر التشريع[15]
الأدلة لغة : جمع دليل وهو المرشد إلى المطلوب .
وشرعاً : ما يتوصل بالنظر الصحيح فيه إلى مطلوب خبري .
وهي قسمان : متفق عليها ، ومختلف فيها .
والأصل في الأدلة الشرعية العموم وإن وردت على أسباب خاصة .
   
              المطلب الاول
         الادلة المتفق عليها
اولا القرآن[16]:وهو كلام الله تعالى منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود , وهو كلام الله حقيقة حروفه ومعانيه والقرآن حجة بالاتفاق .
 .
ثانيا السنة لغة[17] : الطريقة حسنة كانت أو سيئة .
وشرعاً : مانقل عن النبي r من قوله أو فعله أو تقريره أو تركه وهي حجة إذا صح سندها بالإجماع .
والنبي r معصوم فيما يبلغه من الشرع ومعصوم من الكبائر .
وقد كانت تنـزَّل على النبي r كما ينـزَّل عليه القرآن .
وإذا وردت الحكمة في القرآن مقرونة مع الكتاب فهي السنة بإجماع السلف .
وهي تبين القرآن وتؤكد أحكامه وتثبت بها الأحكام استقلالاً .
وأقواله إن كانت خبراً فالواجب تصديقها وعدم السماح للشك أن يتطرق في صدق خبره .
وإن كانت أمراً فالواجب طاعته فيها ولا خيرة في ذلك إلا فيما ورد له صارف فيكون للأفضلية والندب .
وإن كانت نهياً فالواجب اجتناب ما نهى عنه وزجر ولا خيرة في ذلك إلا فيما ورد له صارف فيكون لكراهة التنزيه .
وأما أفعاله فالأصل فيها الندب مالم تقترن بأمرٍ فتحمل على ما تقيده  صيغة الأمر .
والأصل في أفعاله التشريع , فإذا دار الفعل بين كونه عادة أو تشريعاً ولا مرجع فالأصل أنه تشريع كتربية الشعر وترجيله والذهاب لمسجد العيد من طريق والعودة من طريق ولبس الخاتم وتسمية الأثاث والدواب والأصل عدم الاختصاص إلا بدليل . ولكن ما ثبت له من الخصائص بالطريق الصحيح فنتعبد لله بتركها واعتقاد خصوصيته بها كالزواج بأكثر من أربع .

وأما الأفعال الجبلية فلا نتأسى به فيها لذاتها وإنما التأسي به يكون في هيئاتها كالأكل والشرب وهيئته , والنوم وهيئته , وقضاء الحاجة وهيئته ا, والمشي وهيئته , ونحو ذلك .
وإقراره حجة كإقراره على إنشاد الشعر في المسجد وإقرار العزل وإقراره صلاتهم قبل المغرب ركعتين .
وكل فعل توفر سببه على عهد النبي  ولم يفعله فالمشروع تركه .
كترك الأذان والإقامة في العيد والكسوف .
وترك التطوع بعد العيد في المسجد ولم يمت إلا وقد بلغ كل ما أمر ببلاغه على أحسن الوجوه وأفصح البيان وكمال الشفقة والنصح وغاية الصدق
ثالثا الإجماع لغة[18] : العزم والاتفاق .
وشـرعاً : اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم في عصر من العصور على حكم شرعي .
وهو جائز عقلاً ، وواقع شرعاً ولا تجتمع الأمة على ضلالة البتة .
وهو حجة شرعية يجب قبولها واعتمادها والمصير إليها وتحرم مخالفتها وأضبطه ما كان في عصر الصحابة والتابعين .
ومنه النطقي: وهو الثابت بنطق المجتهد نفسه .
ومنه السكوتي : وهو حجة ظنية على الصحيح .
ومنه القطعي : وهو الثابت بالتواتر بنقل الآخر عن الأول .
وهذا هو الذي يكفر من أنكره وخالفه سح .
واتفاق الخلفاء الأربعة أو الشيخين أقرب للصواب ولا شك ولكنه ليس إجماعاً .
واتفاق أهل البيت ليس بإجماع .
وما جرى مجرى النقل من عمل أهل المدينة فهو حجة كنقلهم مقدار الصاع والمد والأذان وترك أخذ الزكاة في الخضروات .
واتفاقهم قبل مقتل عثمان حجة كذلك . وماعدا ذلك فليس بحجة ولا إجماع .
ومخالفة الواحد والاثنين من المجتهدين تنقض الإجماع .

رابعا القياس[19] لغة : التقدير .
وشرعاً : حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما .
وهو حجة على إثبات الأحكام التي لم يرد لها نص بخصوصها وصدر من عالم مؤهل قد استجمع شروط الاجتهاد وأن يكون في نفسه صحيحاً .
وكل قياس صادم النص فإنه فاسد الاعتبار ، ولا قياس مع النص .
وأركانه : الأصل و الفرع والحكم والعلة .
وشروط الأصل ثبوته بنص أو إجماع .
وأن لا يكون منسوخا .
وأن يكون معقول المعنى .
ويشترط في الفرع أن لا يكون منصوصاً عليه وأن تتحقق فيه علة الأصل .
ويشترط في الحكم أن يكون حكماً شرعياً باقياً غير منسوخ ثابـتاً بالنص أو الإجماع أو اتفاق الخصمين .
ويشترط في العلة أن تكون متعدية .
منضبطة ظاهرة لا خفية وعادة الشرع أن العلة إذا كانت خفية نيط الحكم بالوصف الظاهر .
كانتقاض الوضوء بالنوم وإراقة المخلوط بعد ثلاث والقصر في السفر .
    

           المطلب الثاني
        الادلة المختلف فيها[20]
اولاً الاستحسان: [21]
تعريفه: الاستحسان في اللغة عد الشيء حسناً، وفي الاصطلاح اختلف العلماء في تعريفه اختلافاً كبيراً، وقد عرفه صاحب التوضيح بعد ما ذكر الاختلاف فيه، فقال: (والصحيح أنه دليل يقع في مقابلة القياس الجلــي). والمعنى المراد من ذلك هو العدول بالمسألة عن حكم نظائرها لدليل أدق اقتضى هذا العدول، أي هو ترك القياس الظاهر لدليل اقتضى هذا الترك .
هذا هو الاستحسان عند عامة الحنفية، وذهب بعضهم إلى تخصيصه في صور محدودة، فقالوا: هو ترك القياس الجلي لقياس خفي،  وبذلك خصوه بصورة واحدة من صور الاستحسان بحسب الإطلاق الأول، وهي حالة العدول عن القياس الجلي لدليل أدق هو القياس الخفي، دون غيره من الأدلة الأخرى، كنصوص الكتاب والسنة والإجماع ، والضرورة وغيرها.
حجية الاستحسان ومذاهب الفقهاء فيها:
ان الاستحسان محل اتفاق بين المجتهدين على حجيته، وإن كانوا اختلفوا في تسميته،  فإن ذلك اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح.


ثانيا
الاستصلاح أو المصالح المرسلة:[22]
التعريف:
المصلحة في اللغة المنفعة، وهي خلاف المفسدة مطلقا، سواء كان ذلك في عرف العامة ومقصدهم، أم في عرف الشارع و مقصودة.
وهي في الاصطلاح الشرعي مقصود الشارع الحكيم من تشريع الأحكام دون غيره، فالمحافظة عليها محافظة على مقصود الشارع.
والمرسلة معناها في اللغة المطلقة من غير تقييد.
وفي الاصطلاح الشرعي المصلحة المرسلة هي المصلحة التي لم يرد فيها دليل خاص بالاعتبار أو النفي.

حجية المصالح المرسلة
الراجح أن الحق مع جمهور الفقهاء في اعتبار المصلحة المرسلة دليلا من أدلة الشريعة، ولكنه ليس دليلا أصليا بل إنه دليل تبعي، لأن الحكم الثابت بها إنما هو ثابت أصلا بالدليل الذي شهد لها بالاعتبار، وهو القواعد  العامة التي جاءت بها  السنة الشريفة أو شهد لها الكتاب الكريم بالاعتبار .
ثالثا :العــرف[23]
تعريفــه:
العرف في اللغة: المعرفة، ويطلق على الشيء المعروف المألوف الذي استحسنته العقول واستطابته الأمزجة، ومنه قول تعالى: (خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين).
وهو في اصطلاح الأصوليين: مرادف لمعنى العادة، وهي مأخوذة من العود، وهو التكرار، وقد عرفه الغزالي رحمه الله تعالى بقوله: (العادة والعرف ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول).
حجِّيَّتــه:
الفقهاء على شبه الاتفاق على الاحتجاج بالعرف، وإن كانوا اختلفوا في شروط الأخذ به، وفي مرتبته بين المصادر التشريعية الأخرى إذا ما وقع التعارض بينه وبينها
رابعا : مذهب الصحابــي [24]
الصحابي عند الأصوليين: هو من لقي النبي e مؤمنا به ولازمه مدة طويلة بحيث يجوز إطلاق لفظ الصاحب عليه عرفا ولغة، وهو عند علماء الحديث: من لقي النبي  e مؤمنا به ومات على الإيمان، ولو كانت مدة التقائه به دقيقة واحدة.
وقد اختلف الفقهاء في الاحتجاج بمذهب الصحابي وما صدر عنه من أقوال وأعمال وفتاوى، على أقوال متعددة، فمنهم من ذهب إلى الاحتجاج بأقوال الصحابة وأعمالهم مطلقا، ومنهم من احتج بها في مواطن دون أخرى ، والراجح هو عدم اعتباره حجة، جرياً على ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله، وإن كان يحسن الاستئناس به دون أن يكون في ذلك نوع من الإلزام.
خامسا :  شرع من قبلنا[25]
          شرع من قبلنا نعني به شرائع الأنبياء السابقين على سيدنا محمد  e كإبراهيم ونوح وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء والرسل الذين قص علينا القرآن الكريم أخبارهم، وهو خاص بالتشريعات السماوية دون التشريعات الوضعية التي سبقت رسالة الإسلام، كالتشريع الروماني وتشريعات قدامى المصريين وشريعة حمورابي وغيرها، فإنها ليست شرائع معتبرة في نظر المتدينين في العالم من غير خلاف، لأن حق التشريع إنما هو لله وحده ولا يحق  لأحد غيره في التشريع مطلقاً، قال تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) (يوسف:67) .
وقد اختلف الفقهاء في حكم شرع من قبلنا، أيعتبر شرعا ملزما لنا، كإلزام شرعنا لنا، أم لا يعتبر تشريعاً ملزماً لنا؟

(6)
واخيرا الاستصحاب وسنتعرض له بالتفصيل في الفصل الثاني

         الفصل  الثاني
إن من أشهر الأدلة المختلف فيها عند علماء أصول الفقه: دليل الاستصحاب، وقد حظي هذا الدليل قديماً وحديثاً بعناية فائقة من قبل علماء هذا الفن، إذ يندر أن نجد كتاباً لهم يخلو من باب أو فصل في أحكام هذا الأصل، بل صنف فيه بعض المعاصرين كتباً مستقلة، وأفرده بعض الباحثين بدراسات مستفيضة، تضمنت بيان حقيقته، وأنواعه، وحجيته، وكافة الأحكام المتعلقة به.
ونحن في هذا المبحث بإذن الله نسلط الضوء على هذا المصدر لاستظهار حجيته وبعض القواعد المتفرعة عنه والمسائل المبنية علية ، نسأل الله التوفيق.
   

            المبحث الاول
نتعرض في هذا المبحث باذن الله تعالى لتعريف الاستصحاب وبيان انواعه وحجيته واقوال الفقهاء فيه .
           المطلب الاول
تعريف الاستصحاب : الاستصحاب مصدر من الفعل الثلاثي "صحب".

قال ابن فارس (ت395هـ):- "الصاد والحاء والباء أصل واحد يدل على مقارنة شيء ومقاربته، ومن ذلك الصاحب"[26]
والسين والتاء تدلان على الطلب، ومن ذلك قولهم: "استصحب الرجل" أي دعاه إلى الصحبة ولازمه[27] .
والاستصحاب في اللغة، من الصحبة وهي الملازمة، واستصحاب الحال هو التمسك بما كان ثابتا[28]



وهو في اصطلاح الأصوليين: (الحكم ببقاء أمر كان في الزمان الأول ولم يظن عدمه)، وهو يعني أن الحكم الذي جاء الدليل بإثباته يبقى مستمرا حتى يظن ورود ما ينافيه،  مثال ذلك: لو توضأ إنسان ثم شك بعد ذلك في أنه هل انتقض وضوؤه أم لا،  فإنه على وضوئه، بدليل استصحاب الحال، لأن الحكم الأول أنه متوضئ،  ولم يثبت ما يصلح ناقضا لهذا الوضوء بطريق الظن أو غلبة الظن، فيبقى الحكم السابق وهو قيام الطهارة ساري المفعول، لأن الوضوء الأول كان يقينا، فلا يقطع بالشك، أما الظن أو غلبة الظن فإنه يقطع به حكم اليقين في الأمور العملية، ومنها هذا، ولو حدث العكس، وهو أنه نقض وضوءه ثم شك في أنه هل توضأ ثانية أم لا،  فإن الحكم أن طهارته منتقضة، بدليل استصحاب الحال كما تقدم. [29]


استخدام مصطلح الاستصحاب عند الاصوليين:
لم يكن مصطلح الاستصحاب مستخدماً في العصور المتقدمة لا العصر النبوي ولا عصر الصحابة والتابعين بل ولا عصر الأئمة الأربعة وإن كان معمولاً به عند الأئمة المجتهدين لكن ليس بهذا المصطلح ، ومن أوائل من ذكر هذا المصطلح ابن القصار المالكي في مقدمته والباقلاني ثم الجويني والشيرازي والدبوسي والباجي وابن حزم وأبو الحسين البصري المعتزلي وكانوا يطلقون عليه مصطلح (استصحاب الحال) .
وكان المتقدمون يذكرون للاستصحاب نوعين هما : استصحاب الحال واستصحاب الإجماع ، ثم أضاف المتأخرون أنواعاً أخرى سيأتي بيانها إن شاء الله .[30]


طبيعة الاستصحاب: [31]


من استعراض تعريف الاستصحاب وأمثلته نتبين أن الاستصحاب إنما هو مردود إلى الأدلة الأربعة الأصلية، الكتاب والسنة والإجماع والقياس، لأنه ليس إلا حكما باستمرار ذلك الدليل، ولذلك اعتبر من الأدلة التبعية، لارتباطه بدليل آخر وتعلقه به وليس دليلا مستقلا بذاته.

حجية الاستصحاب ومذاهب الفقهاء فيه: [32]
اختلف الفقهاء في الاحتجاج بالاستصحاب واعتباره مصدرا من مصادر التشريع الإسلامي على مذاهب عديدة، وهي:
أ‌-      مذهب جمهور الحنفية: فقد ذهبوا إلى أن الاستصحاب لا يصلح دليلا لإثبات الأحكام، ولكنه دليل صالح لنفيها أو دفعها فقط.
ب‌-   مذهب جمهور الشافعية، والحنبلية، وبعض الحنفية: وهؤلاء اعتبروا الاستصحاب حجة في الدفع وفي الإثبات مطلقا، ما دام لم يعارضه دليل آخر.
ج- مذهب بعض الشافعية والحنفية: وهو أن الاستصحاب ليس بحجة في الإثبات ولا في الدفع مطلقا.
د- مذهب بعض الحنفية: وهو أن الاستصحاب حجة في الإثبات لا في الدفع، والمراد بالإثبات هنا إثبات الحكم من الناحية الإيجابية، أي إثبات وجوده،  والمراد بالدفع هو إثبات نفي الحكم وانعدامه أو زواله.
ويتضح ذلك من المثال الآتي: رجل باع لآخر داره، فطالب الشفيع بها، وادعى أنه ملكها بحق الشفعة، فأنكر البائع أن الدار ملك الشفيع بحق الشفعة.
فعند الشافعية: الدار للشفيع من غير بينة على ملكه إياها، لأن الملك يثبت بالبيع، والبائع لا ينكره، واستصحاب الحال يدل له في استمرار ملكيته لها ما دام لم يثبت ما ينزع هذه الملكية عنه بعد ثبوتها، فتعتبر ثابتة له بدليل استصحاب الحال، فلا يكلف بإثباتها بالبينة ثانية، وعند الحنفية عليه البينة، لأن دليل استصحاب الحال هذا غير معتبر في الإثبات عندهم، فاحتجاج الشفيع إلى البينة في إثبات حقه.

أدلة كل من المثبتين والنافين للاحتجاج باستصحاب الحال:
أ‌-      أدلة المثبتين: استدل المثبتون لحجية هذا الدليل في حالتي الإثبات والدفع بأدلة منها:
1-     أن إثباته أمر ضروري يقضي به العقل، فإن ما تحقق وجوده أو عدمه في زمان ما لقيام الدليل عليه ولم يثبت دليل معارض له مما يظن أو يغلب على الظن معه أنه يلغيه يعتبر لزوم بقائه أمر ضروري عقلا، والظن يصلح دليلا في الأحكام العملية،  فيكون الاستصحاب دليلا صحيحا لذلك.
2-    أن الإجماع منعقد على وجوب العمل بالاستصحاب ضمنا، بدليل الإجماع على بقاء شريعة محمد e، وبقاء الشرائع السابقة إلى حين ظهور النبي e، وإن ذلك محل اتفاق، وليس له دليل إلا استصحاب الحال،  فكن الاستصحاب دليلا صحيحا لذلك.
3-    أن الإجماع منعقد على الأخذ بالاستصحاب في كثير من فروع الشريعة الإسلامية، منها الحكم ببقاء الوضوء كما جاء في المثال السابق ما دام المتوضأ لم يظن نقضه، ، وكذلك بقاء الحدث فيما لو لم يظن المحدث أنه توضأ،  وفروع كثيرة مثله،  فيكون ذلك إجماعا على اعتبار الاستصحاب والأخذ به، والإجماع حجة قاطعة، فيكون الاستصحاب حجة لذلك.

ب‌-   أدلة النافيــن:
واستدل النافون لحجية الاستصحاب في الإثبات دون الدفع بأدلــة منها:
1        – يرد على احتجاج الشافعية ببقاء الشرائع بأن بقاءها لم يكن بالاستصحاب، ولكن بقيام الأحاديث الكثيرة على أنها باقية ما لم تنسخ،  فكان بقاؤها لذلك الدليل لا للاستصحاب. وكذلك شريعة سيدنا عيسى عليه السلام وغيره، فهي باقية قبل بعثة محمد  e لتواتر العمل بها لا للاستصحاب.
2- يرد على الاحتجاج بالإجماع على الاستدلال بالاستصحاب في كثير من الفروع، كثبوت الطهارة والحدث وغيرها على النحو المتقدم، بأن الدليل هناك ليس للاستصحاب، ولكنه وضع الشارع الحكيم الذي قضى باستمرارها ما لم يظهر المناقض، فكان دليل بقائها هو تحقق هذه الأفعال مع عدم ظهور المناقض لها، وليس الاستصحاب.
4-    ويرد على الدليل الأول للشافعية وهو الدليل العقلي، بأن الدليل الموجب للحكم لا يدل على بقاء ذلك الحكم، وذلك لضرورة أن البقاء غير الوجود، لأن البقاء هو استمرار الوجود بعد الحدوث، والدليل الأول إنما دل على الوجود فقط، فلا يجعل دليلا على استمرار الوجود أيضا.
وهكذا  نرى أن الحنفية ردوا كل الأدلة التي استند إليها الشافعية في الاحتجاج بالاستصحاب، وأسقطوها، وإذا لم يعد للاستصحاب من دليل سقط اعتباره ولم يجز عده دليلا من أدلة الشريعة الإسلامية، لكن يرد على الحنفية أنهم ما داموا ردوا الاحتجاج بالاستصحاب مطلقا، فلماذا يحتجون به في الدفع،  فإن رد الشيء رد لكل أوصافه وإسقاط له من الأصل،  مما يقتضي إسقاط الاحتجاج به مطلقا.
لكن الحنفية يجيبون على ذلك بأن الدفع لا يثبت في المسألة حكما،  وعدم الحكم مستند إلى عدم دليله، والأصل في العدم الاستمرار حتى يظهر دليل الوجود بحكم العقل، فكان ثابتا ضرورة استمرار العدم، أي ضرورة عدم قيام الدليل،  فلم يكن الاستصحاب هو الدليل المباشر في ذلك، فلا اعتراض.

مثال يوضح الخلاف وحدوده:
المفقود الذي يغيب عن أهله مدة ولا يعلم مكانه ولا تعلم حياته من موته، إذا مات أحد أقاربه الذين يرثهم أثناء غيابه. هل يرثه المفقود؟
-        الشافعية على أنه يرث منه، لأنه يحكم هنا باستمرار حياته بدليل استصحاب الحال، فيعتبر حيا، فيرثه، لأن الاستصحاب حجة عندهم.
-        والحنفية لا يرث عندهم، لأن الاستصحاب غير حجة في الإثبات، فكانت حياته غير ثابتة، مما ينتفي معه شرط الإرث، وهو العلم بحياة الوارث.
ثم هل يورَث المفقود قبل العلم بوفاته؟ الإجماع على عدم إرثه،  أما الشافعية فلأن حياته ثابتة بدليل الاستصحاب، فلا يورث لذلك،  وأما الحنفية فلأن شرط الإرث العلم بوفاة المورث ولم يثبت هنا، ولأن الأصل عدم الإرث ونفيه، والاستصحاب دليل على النفي والدفع عندهم كما تقدم، لأن العدم يستمر، فلا يورث لذلك.



ما يتميز به الاستصحاب عن غيره من مصادر التشريع الاخرى:[33]
اولاً: أن الاستصحاب في الحقيقة لا يثبت حكمًا جديدًا، ولكن يستمر به الحكم الثابت بدليله المعتبر، فهو إذًا ليس دليلًا فقهيًّا في ذاته، ولا مصدرًا تُسْتَقَى منه الأحكام وإنما هو فقط قرينة على بقاء الحكم السابق الذي أثبته دليله، فمثلًا: الحكم بحياة المفقود؛ هل الاستصحاب هو الذي أنشأ هذه الحياة، أم أن المفقود أصلًا كان حيًّا ونحن نستصحب هذه الحياة؟ وهكذا.[34]

ثانياً: أن الاستصحاب لا يصَار إليه إلا عند عدم وجود الدليل الخاص في حكم المسألة، وذلك بأن يبحث الفقيه ويبذل غاية جهده في التحري عن الدليل فلا يجده، فيرجع إلى الاستصحاب؛ ولهذا فهو كما قال بعضهم: إنه آخر مدار الفتوى، فإن المفتي إذا سئل عن حادثة يطلب حكمها في الكتاب، ثم في السنة، ثم في الإجماع إلى آخره، فإن لم يجده يأخذ حكمه من استصحاب الحال في النفي والإثبات، فإذا كان التردد في زواله فالأصل بقاؤه وإن كان التردد في ثبوته فالأصل عدم ثبوته.

أنواع الاستصحاب

للاستصحاب سبعة أنواع هي:
1- استصحاب ما دل العقل والشرع على ثبوته ودوامه:
ومثاله: تحقق الملك عند جريان القول المقتضي له، وشغل الذمة عند حصول إتلاف أو التزام، ودوام حل المنكوحة بعد تقرير النكاح.
وهذا النوع لا خلاف في وجوب العمل به إلى أن يثبت معارض[35]
2- استصحاب العدم الأصلي المعلوم بدليل العقل في الأحكام الشرعية:
ومثاله: براءة الذمة من التكليف حتى يدل دليل شرعي على شغلها، كعدم وجوب صلاة سادسة، ونحو ذلك.
وهو حجة بالإجماع عند القائلين بأنه لا حكم قبل الشرع[36].3-3- استصحاب الحكم العقلي عند المعتزلة:
ومثاله: استصحاب إباحة ما دل العقل على حسنه كالربا ونحوه حتى يرد الدليل السمعي بتحريمه، واستصحاب تحريم ما دل العقل على قبحه حتى يرد الدليل السمعي بإباحته.
وهو مبني على قولهم بان للعقل حكماً في بعض الأشياء إلى أن يرد الدليل السمعي.
وهذا النوع لا يجوز العمل به بإجماع أهل السنة، لأنه لا حكم للعقل في الشرعيات[37].

4- استصحاب الدليل مع احتمال المعارض:
ومثاله: استصحاب الدليل العام إلى أن يرد المخصص، واستصحاب الدليل المطلق إلى أن يرد ما يقيده، واستصحاب حكم النص إلى أن يرد ما ينسخه[38].
وهذا الطريق معمول به باتفاق أهل العلم[39]

غير أن علماء الأصول قد اختلفوا في تسمية هذا النوع استصحاباً.
فذهب الجمهور إلى أنه يعد من قبيل الاستصحاب[40].
5- استصحاب الحكم الثابت بالإجماع في محل الخلاف:
ومعناه: أن يتفق على حكم في حالة، ثم تتغير صفة المجمع عليه، ويختلف المجمعون فيه، فيستصحب بعضهم ذلك الحكم بعينه مع الحالة المتغيرة[41]


ومثاله: الحكم بصحة صلاة المتيمم إذا رأى الماء في الصلاة استدلالا بأن الإجماع منعقد على صحتها قبل ذلك، فيستصحب حكم الإجماع إلى أن يدل دليل على أن رؤية الماء مبطلة للصلاة[42].

وهذا النوع محل خلاف عريض بين علماء الأصول[43]، والمختار أنه ليس بحجة، لأن محل الوفاق غير محل الخلاف فلا يتناوله بوجه، وإنما يسوغ استصحاب الإجماع حيث لا يوجد صفة تغيره، ولأن الدليل إن كان هو الإجماع فهو محال في محل الخلاف، وإن كان غيره فلا مستند إلا الإجماع الذي يزعم أنه يستصحب[44].

6- استصحاب الأصل المتيقن من الوجوب أو الحل أو الحظر وعدم تركه بالشك، وعدم الخروج عنه إلا بدليل[45]:
وقد مثل له إمام الحرمين بمن استيقن الطهارة وشك في الحدث، فالحكم استصحاب الطهارة[46]، ومثل له غيره بما إذا اشترى إنسان صاعاً من ماء بئر فيه قلتان، ثم قال المشتري: أرده بالعيب فإن فأرة وقعت فيها، فالقول قول الدافع "البائع" لأن الأصل طهارة الماء[47].
قال إمام الحرمين (ت478هـ):- "ونحن نقول فيه: قول الفقيه يستصحب يقين الطهارة فيه تجوز"[48].
7- استصحاب الحاضر في الماضي، ويسمى: "الاستصحاب المقلوب" وهو: الحكم بثبوت أمر في الزمان الماضي بناءً على ثبوته في الزمان الحاضر لفقدان ما يصلح للتغيير.[49]

ومما يجدر التنبيه عليه هنا  أن النوع الأول والثاني والرابع والسادس يجمعها نوع واحد وهو: "استصحاب ما دل عليه العقل أو الشرع حتى يرد الدليل المغير"، ولعل هذا يفسر اختلاف الأصوليين في حصر أنواع الاستصحاب.[50]

         المبحث الثاني

نتعرض بإذن الله تعالى في هذا المبحث  لبعض القواعد المتفرعة عن الاستصحاب .

القواعد والمبادئ المبنية على الاستصحاب

ذكر الفقهاء أن الاستصحاب بنى عليه العلماء عددًا من القواعد الفقهية والمبادئ؛ منها:[51]
المبدأ الأول: الأصل في الأشياء الإباحة إلا إذا وُجِدَ النص بالتحريم.
المبدأ الثاني: الأصل براءة الذمة، أو الأصل في الذمة البراءة. وقد أُخذ بهذا الأصل في القضايا المدنية والجزائية على حد سواء؛ ولهذا يقولون: المتهم بريء حتى تثبت إدانته. ومن هنا فإن الشك يفسر لمصلحة المتهم، والخطأ في براءة متهم خير من الخطأ في إدانة بريء.
المبدأ الثالث: اليقين لا يُزال بالشك. وقد ذكرها بعض العلماء على أنها قاعدة فقهية منهم السيوطي -رحمه الله- في كتابه القيم (الأشباه والنظائر) فقال: اليقين لا يزال بالشك. وعلى ذلك فمن توضأ ثم شك في الانتقاض بقي على وضوئه.
النافي للحكم يلزمه الدليل:
لا خلاف بين أهل العلم في أن المثبت للحكم مطالب بالدليل، والخلاف إنما هو في النافي للحكم.
آراء العلماء في المسألة:
يقول ابن قدامة -رحمه الله: فصل: والنافي للحكم يلزمه الدليل، وقال قوم: في الشرعيات، كقولنا -يعني: كقول جمهور العلماء- وفي العقليات لا دليل عليه مطلقًا.
أدلة الجمهور:
أدلة أصحاب المذهب الأول -الجمهور- الذين يرون أن النافي للحكم يلزمه الدليل:
الدليل الأول: قول الله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111]. فاليهود والنصارى لما نفوا، وقالوا: لن يدخل الجنة إلا نحن فقط. رد الله عليهم بقوله: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ}. هاتوا الدليل؛ فالذي ينفي حكمًا يلزمه الدليل، وهذا نفي لحكم شرعي، قالوا: وهذا صريح في أن النافي يلزمه الدليل، وهي من أوضح الحجج والبينات والأدلة على أن النافي للحكم يلزمه الدليل.
وهناك آية أخرى تدل على ذلك أيضًا، وهي قول الله تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} (يونس: 39) فقد ذمهم الله سبحانه على نفي ما لم يعلموه مبينًا؛ فدل على أن النافي للحكم يلزمه الدليل.
الدليل الثاني: يقول فيه ابن قدامة -رحمه الله: ومن المعنى -يعني: من المعقول- أن يقال للنافي: ما ادعيت نفيه علمته، أم أنت شاكٌّ فيه؟ فإن أقر بالشك فهو معترف بالجهل، وإن ادعى العلم، فإما أن يعلم بنظر أو تقليد، فإن ادعى العلم بتقليد، فهو أيضًا معترف بعمى نفسه، وإنما يدعي البصيرة لغيره. وإن قال: أدركت هذا عن نظر نقول له: هات الدليل والبينة على هذا النظر.
الدليل الثالث: قالوا: لو قلنا بأن النافي للحكم لا يلزمه الدليل للزم من ذلك ألا يطالب أحد بأي دليل على دعواه؛ مما يؤدي إلى دعوى أحكام بلا أدلة، فكل إنسان يريد أن يثبت شيئًا يستطيع أن يذكره في صورة نفي.
والرأي الراجح هو رأي الجمهور وهو المذهب المختار؛ لأن القول بأن النافي للحكم لا يلزمه الدليل يؤدي إلى خطر شديد، فلو نفى شخص وجود الخالق، أو نفى وجود النبوات، أو نحو ذلك، لا نطالبه بالدليل، وهذا يؤدي إلى محظور كبير.

                                         
                الخاتمة
بما ان لكل شيء اصل ينتمي اليه فقد بدأنا بحثنا هذا ببيان الاصل الذي انحدر منه الاستصحاب كونه ضمن مصادر الفقه(المختلف فيها)  كما بينا هنا
لذا  تعرضنا لتعريف علم اصول الفقه وبيان موضوعه وفوائده في الفصل الاول تمهيدا للولوج في موضوع بحثنا
ثم انتقلنا في الفصل الثاني لنعرض تعريف العلماء للاستصحاب وبيان مدى حجيته وأقوال العلماء فيه وبيان طبيعته وما يتميز به عن غيره مصادر التشريع الاخرى والقواعد الفقهية التي انبنت عليه .
وخلصنا في النهاية الى ما يلي :

-ان الاستصحاب من الادلة والمصادر المختلف فيها فمن اعتبره كان عنده مصدراً للأحكام ومن لم يعتبره طرحه من مصادر الاحكام التشريعية.
-ان الاستصحاب في الحقيقة لا يثبت حكمًا جديدًا، ولكن يستمر به الحكم الثابت بدليله المعتبر، فهو إذًا ليس دليلًا فقهيًّا في ذاته، ولا مصدرًا تُسْتَقَى منه الأحكام وإنما هو فقط قرينة على بقاء الحكم السابق الذي أثبته دليله.
- أن الاستصحاب لا يصَار إليه إلا عند عدم وجود الدليل الخاص في حكم المسألة
-انه لم يكن مستخدماً في العصور المتقدمة لا العصر النبوي ولا عصر الصحابة والتابعين .
- ان للاستصحاب سبعة أنواع هي:
- استصحاب ما دل العقل والشرع على ثبوته ودوامه
- استصحاب العدم الأصلي المعلوم بدليل العقل في الأحكام الشرعية
-استصحاب الحكم العقلي عند المعتزلة
- استصحاب الدليل مع احتمال المعارض
- استصحاب الحكم الثابت بالإجماع في محل الخلاف

- استصحاب الأصل المتيقن من الوجوب أو الحل أو الحظر وعدم تركه بالشك، وعدم الخروج عنه إلا بدليل

-استصحاب الحاضر في الماضي، ويسمى: "الاستصحاب المقلوب"
-ان من اقر الاستصحاب من العلماء قد بنى عليه عددا من المسائل والقواعد الفقهية وقد عرضنا بعضا منها هاهنا.


في النهاية : ما كان من توفيق فمن الله وما كان من نقص او تقصير فمن نفسي والشيطان.
واسأل الله عزوجل الهداية والتوفيق .
ولا يسعني في خضم نهاية هذا العمل إلا ان اتقدم بالشكر لله اولاً ثم للأستاذة الدكتورة : هناء الفخراني
ود. أسماء قطب
اللتان وَسَعَتا مداركي بتوجيههما لي بالبحث في هذا الموضوع


              B




[1] بحوث في علم اصول الفقه - ا .د . احمد الحجي الكردي /استاذ اصول الفقه جامعة دمشق ،عضو هيئة الفتوى بدولة الكويت
[2]  انظر الابهاج 1/19
[3]  انظر المحصول للرازي 1/78
[4] انظر مختصر المُنتهى 1/19،18
[5] انظر التقرير والتحبير 1/10
[6] انظر التوضيح 1/13،12
[7] التوضيح 1/20
[8] المُستصفى للغزالي 1/36
[9] نفس المرجع رقم 1
[10] المرجع رقم (1)
[11] المحصول للرازي 1/81،80
[12] بحوث في علم اصول الفقه –ا. د. احمد الحجي الكردي /استاذ اصول الفقه بجامعة دمشق ،عضو هيئة الفتوى بدولة الكويت
[13] نفس المرجع السابق
[14] نفس المرجع السابق

[15] مختصر في اصول الفقه – وليد بن راشد السعيدان
[16] نفس المرجع السابق .
[17] المرجع السابق .
[18] المرجع السابق
[19] المرجع السابق
[20] بحوث في علم اصول الفقه –ا .د –احمد الحجي الكردي –استاذ اصول الفقه بجامعة دمشق ، عضو هيئة الفتوى بدولة الكويت
[21] المرجع السابق

[22] السابق

[23] السابق
[24]  السابق

[25]  السابق
[26] الإحكام لابن حزم، تأليف: علي بن أحمد بن حزم الأندلسي أبو محمد ت456هـ، الناشر: دار الحديث بالقاهرة، ط1 سنة 1404هـ.

[27]  إحكام الفصول في أحكام الأصول، تأليف: أبي الوليد الباجي ت474هـ تحقيق: عبد المجيد التركي، الناشر: دار الغرب الإسلامي ط1، 1407هـ- 1986م.

[28] بحوث في علم اصول الفقه –ا . د .احمد الحجي الكردي – استاذ اصول الفقه  بجامعة دمشق ، عضو هيئة الفتوى بدولة الكويت
[29] بحوث في علم اصول الفقه –ا . د .احمد الحجي الكردي – استاذ اصول الفقه  بجامعة دمشق ، عضو هيئة الفتوى بدولة الكويت
[30] http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=109689
[31] بحوث في علم اصول الفقه – ا .د .احمد الحجي الكردي –استاذ اصول الفقه بجامعة دمشق ، عضو هيئة الفتوى بدولة الكويت
[32] المرجع السابق
[33] بحوث في علم اصول الفقه-ا-د –أحمد الحجي الكردي ، الاستاذ –زكي الدين شعبان ص179
[34] تعريف الاستصحاب وأنواعه وحجيته  -د. وليد علي الطنطاوي –كلية العلوم الاسلامية ،جامعة المدينة العالمية
[35] أصول السرخسي، تأليف/ أبي بكر محمد بن أبي سهل السرخسي ت490هـ، تحقيق: أبي الوفاء الأفغاني، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، ط1 سنة 1414هـ- 1993م.


[36] أصول الفقه، تأليف/ محمد رضا بن محمد بن عبد الله المظفر (ت1964م)، الناشر/ دار النعمان، النجف، العراق سنة 1966م.

[37] أصول الفقه، تأليف/ محمد أبو زهرة، الناشر/ دار الفكر العربي بالقاهرة.


[38] أضواء البيان، تأليف محمد الأمين الشنقيطي ت1293هـ، تحقيق/ مكتبة البحوث والدراسات، الناشر/ دار الفكر، بيروت، لبنان سنة 1415هـ.

[39] أعلام الموقعين عن رب العالمين، تأليف: شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية ت751هـ، مراجعة: طه عبد الرؤوف سعد، الناشر: دار الجيل، بيروت.

[40] الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الأمام أحمد، تأليف/ علي بن سليمان المرداوي، الناشر/ دار إحياء التراث العربي.

[41] البحر الرائق، تأليف/ زين الدين بن إبراهيم بن نجيم ت970هـ، الناشر/ دار المعرفة، بيروت.


[42]البحر المحيط في أصول الفقه، تأليف/ بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي ت794هـ، ضبط وتعليق/ د. محمد محمد تامر، الناشر/ دار الكتب العلمية، بيروت، ط1 سنة 1421هـ- 2000م.
[43] بداية المبتدي، تأليف/ علي بن أبي بكر المرغيناني ت593هـ، تحقيق/ حامد كرسون، ومحمد بحيري، الناشر/ مطبعة محمد علي صبيح، القاهرة، الطبعة الأولى سنة 1355هـ.

[44] بداية المجتهد، تأليف/ محمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي أبي الوليد ت595هـ، الناشر/ دار الفكر، بيروت.

[45] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، تأليف/ علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني، الناشر/ دار الكتاب العربي، بيروت، ط2، سنة 1402هـ.

[46] البرهان في أصول الفقه، تأليف: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني ت478هـ، تحقيق: الأستاذ/ سمير مصطفى رباب، الناشر/ دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، الطبعة ا لأولى، سنة 1423هـ.

[47] تأسيس النظر، تأليف/ أبي زيد عبيد الله عمر بن عيسى الدبوسي ت435هـ تحقيق/ مصطفى القباني، الناشر/ دار ابن زيدون، ومكتبة الكليات الأزهرية
[48] التبصرة. تأليف: إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي ت476هـ، تحقيق: د. محمد حسن هيتو، الناشر: دار الفكر، دمشق ط1 سنة 1403هـ.


[49] الاستصحاب المقلوب –د- احمد بن عبدا لله بن محمد الضويحي.
[50] الاستصحاب المقلوب –د- احمد بن عبدا لله بن محمد الضويحي.
[51]تعريف الاستصحاب، وأنواعه وحجيته- د.وليد علي الطنطاوي - قسم الدعوة وأصول الدين - كلية العلوم الإسلامية – جامعة المدينة العالمية ماليزيا


​للتواصل والاستفسار:

​واتساب: 00201090765411 

رابط طلب الاستشارة



تعليقات