مقدمة:
تُعد مرحلة جمع الاستدلالات والتحقيق الابتدائي من أدق المراحل في الخصومة الجنائية، حيث يتنازع فيها حق المجتمع في عقاب المجرمين وحق الفرد في حماية حريته الشخصية وضمانات حرمته.
ولأن الأصل في الإنسان البراءة، فقد أحاط المشرع إجراءات القبض والتفتيش بضمانات صارمة.
ومع ذلك، استثنى القانون حالة فريدة تسمى "التلبس بالجريمة"، نظراً لأن الجريمة في هذه الحالة تكون واضحة ومعالمها بارزة، مما يبرر منح مأمور الضبط القضائي سلطات استثنائية وسريعة لحفظ الأدلة وضمان عدم أفلات المتهم.
سنتناول في هذا المقال مفهوم التلبس وحالاته، والواجبات والسلطات المقررة لمأمور الضبط القضائي في هذه الحالة، استناداً إلى المواد القانونية (33، 34، 35، 36) من قانونالإجراءات الجنائيةرقم 174 لسنة 2025.
أولاً: مفهوم التلبس بالجريمة وحالاته (المادة 33)
تنص المادة (33) على تحديد دقيق ومحصور لحالات التلبس، وهي حالات عينية ترتبط بالجريمة نفسها لا بشخص المتهم، وقد حددها القانون بأربع صور:
- التلبس حال ارتكاب الجريمة: وهي الصورة الأكثر وضوحاً، حيث يُشاهد مأمور الضبط الجريمة وهي تُرتكب بالفعل (كإطلاق النار أو السرقة في ذات اللحظة).
- التلبس عقب ارتكاب الجريمة ببرهة يسيرة: أي بعد تمام الجريمة بوقت قصير جداً، بحيث تظل معالمها حية وتُستشعر آثارها المباشرة.
- تتبع المتهم إثر وقوع الجريمة: إذا تبع المجني عليه أو العامة (الجمهور) المتهم مع الصياح إثر وقوع الجريمة، مما يدل بشكل قاطع على صلة المتهم بالجريمة المعاصرة.
- وجود المتهم حاملاً لآثار الجريمة أو أدواتها: إذا وُجد المتهم في وقت قريب من وقوع الجريمة حاملاً لآلات أو أسلحة أو أمتعة أو أوراق، أو وُجدت به آثار (كدماء أو جروح) يُستدل منها على أنه فاعل أو شريك في الجريمة.
ثانياً: واجبات مأمور الضبط القضائي فور وقوع التلبس (المادة 34)
بمجرد قيام حالة التلبس بجناية أو جنحة، تقع على عاتق مأمور الضبط القضائي واجبات إلزامية وأخرى إخطارية حددتها المادة (34):
- الانتقال الفوري والمعاينة: يجب على المأمور الانتقال فوراً إلى محل الواقعة لمعاينة الآثار المادية للجريمة والمحافظة عليها قبل أن تطمس أو تتغير.
- إثبات حالة الأمكنة والأشخاص: توثيق كل ما يفيد في كشف الحقيقة (كأماكن الدخول والخروج، وحالة المجني عليه، وغيرها).
- سماع الأقوال: سماع أقوال من كان حاضراً في مسرح الجريمة، أو أي شخص يمكن الحصول منه على إيضاحات حول الواقعة ومرتكبها.
- إخطار النيابة العامة: أوجب القانون على المأمور إخطار النيابة العامة فوراً بانتقاله، وعلى النيابة الانتقال فوراً إلى محل الواقعة بمجرد إخطارها بجناية متلبس بها متى اقتضى الأمر ذلك، نظراً لأن النيابة هي صاحب الاختصاص الأصيل في التحقيق.
ثالثاً: السلطات التحفظية لمأمور الضبط وضمانات التحقيق (المادتان 35 و36)
لم يكتفِ القانون بفرض واجبات، بل منح مأمور الضبط القضائي سلطات إجرائية تحفظية للسيطرة على مسرح الجريمة وضمان عدم عبث أي شخص بالأدلة:
- سلطة منع الحاضرين من المغادرة (المادة 35): يجوز لمأمور الضبط القضائي عند انتقاله منع الحاضرين من مبرحة محل الواقعة أو الابتعاد عنه حتى يتم تحرير المحضر. وله أيضاً أن يستدعي في الحال أي شخص يمكن الحصول منه على إيضاحات تفيد التحقيق. الهدف من هذا الإجراء هو منع التواطؤ أو إخفاء معالم الجريمة أو هروب المشتبه بهم.
- الجزاء القانوني على مخالفة أوامر مأمور الضبط (المادة 36): لكي تكون سلطات المأمور فعالة، وضع المشرع جزاءً جنائياً رادعاً لمن يخالف هذه الأوامر ، فإذا خالف أحد الحاضرين أمر المنع من المغادرة، أو امتنع شخص تم استدعاؤه عن الحضور، يُذكر ذلك في المحضر ، وتملك النيابة العامة بناءً على ذلك سلطة إصدار أمر جنائي بتغريم المخالف بغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تزيد على ألف جنيه.
و اقرأ أيضاً 👈 عنوان مقال ذو صلة يهمك
تنبيه قانوني: هذا المقال لغرض التوعية القانونية العامة فقط، ولا يغني عن استشارة محامٍ متخصص في موضوعك تحديداً نظراً لتغير القوانين وتشعب الحالات.
خاتمة واستشارة قانونية:
تُمثل نصوص التلبس في القانون توازناً دقيقاً؛ فهي من ناحية تمنح رجال الضبط القضائي السرعة والحسم اللازمين لضبط الجرائم المتلبس بها وحماية الأدلة من الضياع، ومن ناحية أخرى تُقيد هذه السلطات بضوابط زمنية وموضوعية صارمة (مثل وجوب إخطار النيابة فوراً) لضمان عدم التعسف أو الاعتداء على حريات المواطنين دون مقتضى قانوني مشروع.
إن الإلمام بمواعيد وإجراءات التقاضي هو حجر الزاوية في استرداد الحقوق.
الأستاذ : محمد اسماعيل منصور
المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة/ ماجستير القانون العام
جميع الحقوق محفوظة © 2026 للأستاذ محمد اسماعيل منصور المحامي
يمنع نسخ أو إعادة نشر هذا المحتوى دون ذكر المصدر برابط مباشر، حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية والجهد المبذول في التأصيل القانوني.
