مسئولية السكة الحديد عن حوادث القطارات: قراءة في أحدث أحكام محكمة النقض (الطعن ١٩٦ لسنة ٨٥ ق)
ساد اعتقاد قانوني (خاطئ) بأن عبور المواطن لشريط السكة الحديد من غير الأماكن المخصصة يُعفي الهيئة القومية لسكك حديد مصر من المسئولية تماماً، باعتبار أن المضرور قد وضع نفسه في موضع الخطر.
إلا أن محكمة النقض المصرية، في حكمها التاريخي رقم ١٩٦ لسنة ٨٥ قضائية، أرست مبادئ مغايرة تنحاز لحماية الأرواح وتُفعل مفهوم "المسئولية المفترضة".
موضوع الدعوى:
طلب تعويض مادي وأدبي وموروث (٣٠٠ ألف جنيه) نتيجة حادث اصطدام قطار بمورثتهم بتاريخ ١١/٨/٢٠١٢ أثناء عبورها شريط السكة الحديد من أحد الممرات "المعدة لجمهور المشاة" والتي تقع في منطقة مأهولة بالسكان.
محكمة أول درجة:
قضت برفض الدعوى.
محكمة الاستئناف (القاهرة):
أيدت الحكم برفض الدعوى بناءً على أن الخطأ يقع بالكامل على "المجني عليها" لعبورها من غير الأماكن المخصصة، مما نفته معه مسئولية الهيئة.
أما عن محكمة النقض : فقد فندت الموضوع كالآتي : -
أولاً: حراسة الأشياء.. التزام بتحقيق غاية لا وسيلة:
استندت المحكمة في حيثياتها إلى المادة ١٧٨ من القانون المدني، مؤكدة أن من يتولى حراسة آلات ميكانيكية (كالقطارات) تتطلب عناية خاصة، يكون مسئولاً عن الضرر الذي تحدثه. وهذه المسئولية "مفترضة" تقوم على أساس خطأ في الحراسة لا يقبل إثبات العكس.
ثانياً: متى تُعفى هيئة السكة الحديد من المسئولية؟
أوضح الحكم أن الهيئة لا تبرأ من المسئولية إلا إذا أثبتت وجود "سبب أجنبي" لا يد لها فيه، مثل:
- القوة القاهرة.
- خطأ الغير.
- خطأ المضرور نفسه (بشرط أن يكون هذا الخطأ هو السبب الوحيد والمستغرق للضرر).
ثالثاً: عبور المشاة في المناطق المأهولة.. خطر متوقع
هنا وضع القضاء النقاط على الحروف؛ فإذا وقع الحادث في منطقة مأهولة بالسكان، فإن عبور الناس لشريط السكة الحديد يُعد أمراً "متوقعاً" وليس مفاجئاً. وبناءً عليه:
- يجب على الهيئة إقامة أسوار وحواجز تمنع العبور العشوائي.
- توفير بدائل آمنة (كباري أو أنفاق مشاة) في المناطق السكنية.
- مجرد عبور الشخص من "غير معبر رسمي" لا يُعفي الهيئة إذا ثبت تقصيرها في تأمين المنطقة أو إحاطتها بسور.
رابعاً: مبدأ الخطأ المشترك وتوزيع المسئولية
حسمت محكمة النقض النزاع بتقرير أن خطأ المضرور (المجني عليه) لا يمنع من مسئولية الهيئة إذا كان هناك خطأ من جانبها أيضاً. في هذه الحالة، يجب على القاضي توزيع المسئولية بين الطرفين، ولا يجوز حرمان المضرور (أو ورثته) من التعويض كلياً طالما أن الهيئة كان بإمكانها التحرز ومنع وقوع الحادث بوسائل تقنية أو إنشائية.
خامساً : المبادئ القانونية التي أرستها محكمة النقض
المسئولية عن الأشياء (المادة ١٧٨ مدني): قررت المحكمة أن حراسة الآلات الميكانيكية (القطارات) تفرض التزاماً بتحقيق غاية، وهي ألا يحدث الشيء ضرراً بالغير.
الخطأ المشترك: أوضحت المحكمة أن مجرد خطأ المضرور (المجني عليها) لا يعفي الحارس (الهيئة) من المسئولية تماماً إلا إذا كان هذا الخطأ هو "السبب الوحيد" والمستغرق للضرر.
واجب الحيطة على الهيئة: أكدت المحكمة أنه طالما أن السكة الحديد تمر بمناطق مأهولة، فإنه يجب على الهيئة اتخاذ احتياطات (أسوار، حراس، بوابات) لمنع الحوادث المتوقعة، ولا يعتبر مجرد عبور المشاة سبباً أجنبياً يعفيها إذا كان بإمكانها التحرز منه.
سادساً : منطوق الحكم :
"نقضت المحكمة الحكم المطعون فيه، وأحالت القضية إلى محكمة استئناف القاهرة، وألزمت المطعون ضده (رئيس الهيئة بصفته) بالمصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة."
و اقرأ أيضاً 👈 المسئول عن سداد قيمة ضريبة التصرفات العقارية
تنبيه قانوني: هذا المقال لغرض التوعية القانونية العامة فقط، ولا يغني عن استشارة محامٍ متخصص في موضوعك تحديداً نظراً لتغير القوانين وتشعب الحالات.
خاتمة واستشارة قانونية:
إن الحق في السلامة الجسدية حق أصيل، والتزام الهيئات العامة بتأمين مرافقها هو التزام قانوني صارم. فإذا كنت طرفاً في نزاع مشابه، فإن هذا الحكم يمنحك السند القانوني القوي للمطالبة بحقوقك حتى لو كان هناك خطأ من جانب المضرور.
للاستشارات القانونية :
الأستاذ : محمد اسماعيل منصور
المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة/ ماجستير القانون العام
نص حكم محكمة النقض في الطعن رقم ١٩٦ لسنة ٨٥ ق)
جميع الحقوق محفوظة © 2026 للأستاذ محمد اسماعيل منصور المحامي
يمنع نسخ أو إعادة نشر هذا المحتوى دون ذكر رابط مباشر، حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية والجهد المبذول في التأصيل القانوني.





