الرقابة القضائية على صحة الإعلان: تضارب أحكام محكمة النقض في أثر ارتداد المسجلات البريدية

انفوجرافيك تعليمي قانوني يقارن بين اتجاهين مختلفين لمحكمة النقض المصرية بشأن أثر ارتداد الخطاب المسجل بعلم الوصول في الإعلان لجهة الإدارة، ويقدم دليلاً إرشادياً لأطراف النزاع.

​أثر ارتداد "المسجلات البريدية" على صحة الإعلان القضائي: قراءة في تضارب توجهات محكمة النقض :


​يُعد الإعلان القضائي الركيزة الأساسية التي تقوم عليها الخصومة؛ فهو الجسر الذي يعبر من خلاله مبدأ "المواجهة بين الخصوم" وكفالة حق الدفاع. ومع تطور النظم الإجرائية، برزت إشكالية قانونية دقيقة تتعلق بمدى صحة الإعلان الموجه لجهة الإدارة في حال "ارتداد الخطاب المسجل" الذي يرسله المحضر للمعلن إليه لإخطاره بتسليم الورقة لجهة الإدارة.

​بين التشدد في حماية حق المعلن إليه في العلم الحقيقي، وبين الرغبة في استقرار المراكز القانونية ومنع التحايل، انقسمت أحكام محكمة النقض المصرية إلى اتجاهين جوهريين:

​الاتجاه الأول: "العلم اليقيني" ووجوب اتصال العلم بالخصومة

​يرى هذا الاتجاه (وهو الأحدث والأكثر انتصاراً لحقوق الدفاع) أن الإعلان لجهة الإدارة ليس غاية في ذاته، بل هو إجراء احتياطي. فإذا ثبت أن "المسجل البريدي" الذي يُعلم الشخص بتسليم الصورة لجهة الإدارة قد ارتد للمرسل (المحضر)، فهذا يعني أن الغرض من الإجراء قد تبدد ولم يتحقق العلم بالدعوى.

​و قد عللت محكمة النقض هذا التوجه (كما في الطعن رقم 29390 لسنة 93 ق)  بأن ارتداد الإخطارات يفيد عدم اتصال علم الخصم بالدعوى، ومن ثم تظل الخصومة غير منعقدة قانوناً.

​النتيجة: بطلان الحكم الابتدائي وما تبعه من إجراءات، واعتبار الإعلان كأن لم يكن لعدم تحقق الغاية منه.

​الاتجاه الثاني: "قرينة التقصير" وحماية حق التقاضي

​على النقيض، يتبنى هذا الاتجاه وجهة نظر تميل إلى تحميل "المعلن إليه" مسؤولية تتبع مراسلاته، مفترضاً أن ارتداد المسجل قد يكون ناتجاً عن فعل المعلن إليه نفسه (كالرفض أو الإهمال).

​المنطق القانوني: اعتبرت المحكمة (كما في الطعن رقم 5881 لسنة 74 ق) أن مجرد ارتداد المسجل لا يكفي لإبطال الإعلان، بل يجب على المعلن إليه أن يثبت أن عدم الاستلام يرجع لسبب لا يد له فيه.

​المبرر: منع عرقلة العدالة؛ فلو جُعل بطلان الإعلان متوقفاً دائماً على استلام المسجل، لأصبح مصير القضايا معلقاً على إرادة المعلن إليه، حيث يكفيه "رفض الاستلام" ليعطل الفصل في الحقوق.

​الخلاصة والتوصية القانونية

​إن التضارب في هذه الأحكام يعكس صراعاً كلاسيكياً في القانون بين "الشكل" و "الجوهر". ومع ذلك، يبدو أن الاتجاه الحديث لمحكمة النقض في عام 2024 يميل بقوة نحو حماية حق الدفاع، معتبراً أن ارتداد المسجل قرينة قوية على عدم العلم، مما يستوجب إعادة الإعلان أو اعتبار الحكم باطلاً.

​أحكام النقض:

 اتخذت محكمة النقض المصرية في هذا الأمر اتجاهين:

الاتجاه الأول :

"إذ كان البين من الأوراق أن الطاعنة لم تمثل أمام محكمة أول درجة بشخصها أو بوكيل عنها ولم تقدم مذكرة بدفاعها، وأنها تمسكت في صحيفة استئنافها ومذكرة دفاعها المقدمة بجلسة ٢٠٢٣/٥/٢٧ - قبل إبداء أي طلب أو دفاع في الدعوى - ببطلان إعلانها بصحيفة الدعوى المبتدأة وإعادة إعلانها، ومن ثم عدم اتصال علمها بالدعوى الارتداد المسجلات الخاصة بتلك الإعلانات، وقدمت تدليلاً على صحة هذا الدفاع شهادتين صادرتين من قلم المحضرين تفيد الأولى أن الإعلان بعريضة الدعوى تم لجهة الإدارة وأخطرت عنه بالبريد المسجل برقم ٥٨ في ۲۰۲۱/۱۲/۱۳ وارتد الإخطار بتاريخ ۲۰۲۲/۱/۲۸، وتضمنت الشهادة الثانية أن إعادة الإعلان بعريضة الدعوى تم لجهة الإدارة وأخطرت عنه بالبريد المسجل رقم ۲۹ وارتد الإخطار بتاريخ ۲۰۲۲/۱/۲۵ ، وإذ ثبت من هاتين الشهادتين الرسميتين أن الإخطارات الواردة بها والخاصة بالإعلان بصحيفة الدعوى وإعادة الإعلان بها - المقدم صور رسمية منهما - قد ارتدت للمرسل، بما مؤداه عدم تمام إعلان الطاعنة وعدم اتصال علمها بالخصومة، ومن ثم صدور الحكم الابتدائي في خصومة لم تنعقد على الوجه الذي استلزمه القانون بما يبطله، وإذ لم يقطن الحكم المطعون فيه لما سلف واعتد بورقتي الإعلان وإعادة الإعلان وقضى بتأييد الحكم الابتدائي على سند من تمام الإعلان بصحيفة الدعوى صحيحاً فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون"

( الطعن رقم ۲۹۳۹۰ لسنة ١٣ ق - جلسة ٦ / ٦ / ٢٠٢٤)

الاتجاة الثاني :


" كان من المقرر أن لمحكمة الموضوع السلطة التامة في تحصيل فهم الواقع في الدعوى وتقدير ما يقدم لها من أدلة ، وكانت محكمة الموضوع بما لها من سلطه في فهم الواقع في الدعوى قد أقامت قضاءها بسقوط حق الطاعن في الاستئناف لإقامته بعد الميعاد المقرر قانونا بعد أن أجرت في حقه ميعاد الطعن من تاريخ تسليم صورة الإعلان لجهة الإدارة على ما أوردته من أن " القواعد العامة للإعلان قد روعيت فيما أثبته المحضر بورقة الإعلان ولا يغير من ذلك ما ورد بكتاب الإدارة العامة لمنطقة بريد الإسكندرية من أن المسجل رقم 5 بتاريخ ۲۰۰۳/۲/۱۹ قد أعيد مرتداً للراسل محضري مينا البصل بتاريخ ۲۰۰۳/۱/۲۹ ذلك أن هذا الكتاب لم يوضح سبب ارتداد المسجل وكان يتعين على المستأنف أن يثبت بكتاب إدارة البريد سبب ذلك حتى يكون تحت نظر المحكمة بكونه لا يرجع إلى فعله أو تقصيره ذلك أنه يتعين على المستأنف السعى لاستلامه وارتداد المسجل يمكن أن يكون راجعاً لرفضه الاستلام أو لانقضاء المدة المقررة للسعى لاستلامه ومادام المستأنف لم يثبت أن عدم استلام المسجل لا يرجع إلى فعله أو تقصيره ومن ثم فإن المحكمة تخلص إلى أن الإعلان يكون منتجاً لآثاره من تاريخ تسليمه لجهة الإدارة بتاريخ ۲۰۰۳/٦/١٨ والقول بغير ذلك من شأنه أن يعوق حق التقاضي ويعرض سائر الحقوق للضياع إذ يجعل صحة الإعلان خاضعاً لرغبة المعلن إليه وما عليه إلا أن يرفض استلام السجل وبالتالي يرتد إلى راسله " وكان هذا من الحكم استخلاص سائغ له أصله الثابت بالأوراق فإن ما يثيره الطاعن بسبب الطعن ينحل إلى جدل موضوعي فيما لمحكمة الموضوع من سلطه في فهم الواقع في الدعوى مما لا يجوز التحدى به أمام محكمة النقض ويضحى التحدى به أمامها غير مقبول "

( الطعن المقيد في جدول المحكمة برقم ٥٨٨١ لسنة ٧٤ ق جلسة ٦ مارس ٢٠١٤)

نصيحة للمتقاضين:

​إذا كنت "مدعياً"، تأكد دائماً من ملاحقة المحضرين لضمان وصول المسجلات، وفي حال الارتداد، اطلب إعادة الإعلان بطرق أخرى لتجنب الطعن بالبطلان مستقبلاً.

​إذا كنت "مدعى عليه" وصدر ضدك حكم غيابي، بادر فوراً لاستخراج شهادة من قلم المحضرين أو البريد توضح مصير المسجلات البريدية، فارتدادها هو مفتاحك الذهبي لإلغاء الحكم.

​تنبيه: 

القضاء سلطة تقديرية، وتفاصيل كل قضية قد تغير من مجرى الحكم. هذا المقال لا يعد استشارة قانونية نهائية، بل هو تحليل للمبادئ القضائية العامة و هذا المقال لغرض التوعية القانونية بشكل عام حول هذا الموضوع ولا يغني عن استشارة محامٍ في موضوعك أنت تحديدا.

خاتمة واستشارة قانونية:

إن الإلمام بقواعد العمل أمام القضاء يتطلب دقة شديدة وعلماُ بالإجراءات والمواعيد .

​في مكتب الأستاذ محمد إسماعيل منصور المحامي ، نتولى عنكم كافة الإجراءات ومتابعة القضايا لضمان استرداد حقوقكم في أسرع وقت

رابط طلب الاستشارة القانونية الآن

​للتواصل والاستفسار:

​واتساب: 00201090765411

حقوق الملكية الفكرية :

 ​جميع المقالات و المواد المكتوبة والبحوث القانونية المنشورة هي ملكية فكرية للأستاذ محمد إسماعيل منصور المحامي . ​

يُسمح بالاقتباس المحدود بشرط ذكر اسم الأستاذ محمد إسماعيل منصور المحامي ووضع رابط مباشر للمدونة. 

يمنع منعاً باتاً نسخ المقالات بالكامل وإعادة نشرها دون إذن كتابي مسبق، وذلك حفاظاً على مجهودنا العلمي وحقوقنا القانونية. 


تعليقات