الزواج العرفي والزواج الرسمي

رابط طلب الاستشارة القانونية الآن

المقدمة : إن الحمد لله نحمده ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له.

 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .

أما بعد :-

إن الحديث عن حقوق الإنسان في الإسلام حديث عن أول وثيقة شرعت لهذه الحقوق ؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ألقى خطبته الجامعة لمقاصد الإسلام و مبادئه العامة ، ووضع في تلك الخطبة دستور العلاقات بين الناس بما فيها العلاقة بين الجنسين الذكر و الأنثى ؛ المرأة و الرجل . 

و قد كان سبب اختياري لعمل هذا البحث هو تأكيد الله جل وعلا على أهمية الزواج في كتابه الكريم كنعمة منه وفضل على عباده، وقد تعددت الآيات القرآنية المتعلقة بالزواج ، فمنها ما يتعلق بالمباشرة الزوجية، وآيات عن المواليد، وأخرى عن الصلح بين الزوجين، وغيرها ، ومما جاء في القرآن الكريم مناً من الله تعالى على عباده بفرضه لسنة الزواج بين الرجال والنساء ما جاء في هذه الآيات :-

قال تعالى:- { هو الذي خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها } .قال تعالى :- {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ،وقال تعالى :- {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} ،و قال تعالى :- {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما}. 

التمهيد

إن عقد الزواج الكامل هو العقد الذي يقوم على أساس التكافل والرحمة والمودة ، يقول الله تعالى: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" (الروم/21).

 لكن الشارع الحكيم لم يترك هذه العلاقات من دون ضوابط ومحددات ، بل فرض على الزوجين وعلى سائر أفراد الأسرة من الحقوق والواجبات المتبادلة لتحقيق السعادة والتماسك ولنبذ الشقاق والخلاف الذي من شأنه تفكيك الأسرة.

إن الأحوال الشخصية في شريعتنا جاءت مفصلة الأحكام لأن معظمها مبني على مصلحة ثابتة لا تتغير ، إلا أن مستجدات العصر متسارعة الظهور والنشوء والانتشار ، وكما هو معلوم في أصول الفقه أن النصوص متناهية والوقائع والمستجدات غير متناهية ،  والشارع الحكيم لم يُفصّل الأحكام وذلك لفتح باب الاجتهاد وإعمال العقل في الاستنباط لما يجد من الحوادث المستجدة.

لذا فإن الفقهاء اجتهدوا في مسائل الأحوال الشخصية ، وعالجوا هذه المستجدات والمشكلات ، معتمدين على الفهم الثاقب والعميق لروح النص ومقاصد الشريعة والمصلحة الشرعية المعتبرة ، ولخطورة المسألة وحساسيتها وجدوا أنه من غير الممكن الخوض في الحكم عليها قبل أن يتصور حقيقتها – لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره كما يقول أهل الأصول _ ، ولا يمكن الحكم عليها قبل التحقق من موافقتها للأدلة الشرعية أو معارضتها لها في كثير من الفروع.

ولا شك أن الزواج العرفي يُعد من تلك الوقائع والمستجدات التي كُرِّس لها حصة كبيرة من النظر والاجتهاد, ويعد هذا النوع من الأنكحة من أخطر الموضوعات المعاصرة في باب الزواج ،  وقد انتشر انتشارا واسعا بسبب تلاحق تشريعات الأحوال الشخصية وزيادة الالتزامات في الزواج الرسمي مما أدى إلى الهروب من الزواج الرسمي إلى الزواج العرفي ، وكما هو معلوم أن هنالك من الأنكحة العرفية الدارجة في كثير من المناطق أنكحة باطلة لسريتها وخلوها من الشهود والولي ، فلجهل كثير من الشباب والشابات في الشريعة نراهم ينزلقون إلى مثل هذه الأنكحة لتحقيق غرائزهم وأهوائهم ، أو أن البعض الآخر يجد أن هذا الزواج أخف بكثير من حيث القيود والتي تجدها في الزواج الرسمي ، مما يجعله بذلك مصطدما بقوانين الدولة التي تمنعه من الإقدام إلى مثل هذه الأنكحة ، وتجبره على توثيق وتدوين زواجه في الدائرة الرسمية المعنية.

 

المبحث الاول : العرف وحُجيته و اقسامه

المطلب الاول : تعريف العرف وحُجيته

اولاً : تعريف العرف:

1 - التعريف اللغوي لكلمة (العرف):

هذه الكلمة مأخوذة من "العرف" وتعني في معاجم اللغة العلم ، فيقال: "عرفه يعرفه عرفة وعرفا ومعرفة واعترفه.

 والمعروف ضد المنكر. والعرف: ضد النكر" [1]

2 - المعنى في اصطلاح الأصوليين:

يقول عبد الوهاب خرف في تعريفه: "العرف هو ما تعارفه الناس وساروا عليه, من قول, أو فعل, أو ترك, ويسمى العادة". [2]

حجية العرف

استُدِلَّ لحجية العرف بأدلة كثيرة ، يكفي منها في إثبات اعتباره : إحالة الآيات والأحاديث الأحكام المطلقة إليه لتحديدها به ، من مثل :

 قول الله عز وجل : {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } [ البقرة233] ؛ إذ أرجع الله سبحانه وتعالى تقدير نفقة المرضع إلى العرف غنىً وفقراً .

 وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهند بنت عتبة رضي الله عنها : (( خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَولَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ )) رواه الشيخان ؛ حيث أحال في نفقة الزوج والولد إلى العرف . 

ثم هو معتبر في الجملة في جميع المذاهب ؛ وهو معنى قول العلماء : إنَّ العادة محكمة . 

فالعرف قاعدة تطبيقيّة مهمّة ، يرجع إليها في تطبيق كثير من الأحكام العملية ؛ فهو في واقع الأمر ليس دليلاً ؛ بل الدليل مستنده الذي أحال إليه ؛ فالعلماء عند اعتبارهم الأعراف وملاحظتها عند تطبيق الأحكام ، يستندون إلى أصل شرعي ودليل معتبر ؛ يؤكد ذلك أهم شروط اعتبار العرف ، وهو : أن لا يخالف نصاً شرعياً [3].


المطلب الثاني : اقسام العرف[4]

ينقسم العرف إلى أقسام عديدة باعتبارات مختلفة، وفيما يلي نذكر هذه الأقسام باعتبارات ثلاثة:

الاعتبار الأول: أقسام العرف باعتبار استعماله

وينقسم العرف باعتبار استعماله إلى نوعين:

النوع الأول: العرف القولي:

وهو أن يتعارف الناس على إطلاق لفظ معين على معنى معين، يختلف عن المعنى الحقيقي الموضوع له، بحيث لا يتبادر إلى الذهن عند سماع اللفظ المعنى الحقيقي، وإنما ينصرف الذهن إلى المعنى المتعارف عليه، ويصبح المعنى الحقيقي مهجورا ومتروكا، ويحتاج عند إرادته إلى القرينة أو القيد أو زيادة الإيضاح.

التطبيق الفقهي على ذلك:

-  لفظ: (الولد)؛ تعارف الناس على إطلاق هذا اللفظ على الذكر دون الأنثى، مع أنه في اللغة شامل للنوعين وفي الشرع كذلك، كما في قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11].

-  لفظ: (اللحم)؛ يطلق على لحم الحيوان، ولا يطلق على السمك والطير، مع أن المعنى الحقيقي له يشمل الجميع؛ لقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} [النحل: 14

-  لفظ: (الدراهم)؛ بمعنى النقود المستعملة في البلد.

-  لفظ: (البيت)؛ بمعنى الغرفة أو الدار. 

 النوع الثاني: العرف العملي

وهو التعارف بين الناس على أمر عملي معين، وما يجري على الناس في تصرفاتهم.

التطبيق الفقهي على ذلك:

-  أكل لحم الضأن في بلد، وأكل لحم البقر أو الجمل أو الجاموس في بلد آخر.

-  تقسيم المهر عند الزواج إلى مقدم ومؤخر، وأن المقدم يُدفع قبل الدخول بالزوجة، وأن المؤخر يدفع بعد الفرقة موتا أو طلاقا أيهما أقرب.

-  تعارف الناس على دفه الأجرة قبل استيفاء المنفعة في إجارة المساكن.

-  تعارف الناس على البيع بالتعاطي في أشياء كثيرة.

-  العرف العملي في استلام البضاعة ودفع الثمن للدلالة على القبول.

-  العرف على تعطيل (إجازة) يوم معين في الأسبوع.

-  العرف على تقسيط الأجور شهريا (الراتب الشهري).

-  العرف على التعامل بنقود معينة شائعة في البلد بدون أن تذكر أو تعين في العقد.

 

 الاعتبار الثاني: أقسام العرف باعتبار شيوعه

ينقسم العرف باعتبار اتساع شيوعه أو قصره وحصره في مكان معين أو جماعة مخصوصة إلى نوعين اثنين:

النوع الأول: العرف العام

وهو العرف الذي يتفق عليه أغلبية الناس في كل البلاد أو معظمها، ويسيرون على منواله.

التطبيق الفقهي على ذلك:

-  تعارف الناس على بيع الاستصناع، الذي شاع وانتشر عند كثير من المسلمين في كثير من البلاد.

-  تعارف الناس على أن الأصل في المهر أن يكون معجلا مقبوضا عند العقد، ثم تساهل بعضهم في تأجير قسم منه إلى حين الطلاق أو الوفاة.

-  تعارف الناس على دخول الحمام واستعمال الماء بدون تحديد كمية الماء المستهلك أو تحديد الزمن الذي يمكث فيه الشخص داخل الحمام.

النوع الثاني: العرف الخاص

وهو العادة التي تكون لفرد أو طائفة معينة في بلد معين، أو أصحاب مهنة معينة.

التطبيق الفقهي على ذلك:

-  الأمر الذي يعتاده شخص معين في طريقة أكله وشربه، وتصرفاته، وحياته الخاصة.

-  تعارف التجار على تسجيل المبيعات في دفتر خاص.

-  تعارف المزارعين في الحراثة وشؤون الزراعة، واستئجار الماء وجني الثمار إلى أوقات محددة أو مواسم معينة.

-  تعارف بلد ما أو قرية على تسجيل أثاث البيت للزوج للزوجة.

-  تعارف الناس على أخذ مواعيد زيارة الأصدقاء والأقارب، وأصحاب الأعمال والموظفين بالهاتف أو غيره من وسائل الاتصال الحديثة.

-  تعارف الناس على أخذ مواعيد لمراجعة طبيب معين.

-  تعارف الناس على حجز غرف النوم في الفنادق بالاتصال أو النت أو غيرها من وسائل التواصل.

 

الاعتبار الثالث: أقسام العرف باعتبار المشروعية

 

ينقسم العرف باعتبار مشروعيته وعدم مشروعيته، ومن حيث موافقته أو معارضته للنصوص الشرعية إلى نوعين اثنين:

 

النوع الأول: العرف الصحيح

وهو ما لا يخالف دليلا شرعيا، فلا يبطل واجبا، ولا يحل حراما، ولا يحرم حلال، فهو كل ما تعارفه الناس في تحقيق مصالحهم، وتسيير أمورهم، دون أن يخالف نصا شرعيا، أو حكما من الأحكام الثابتة بالنص أو الإجماع.

 التطبيق الفقهي على ذلك:

-       تعارف الناس على الاستصناع.

-       تعارف الناس على أن هذا الشيء يباع كيلا، وهذا الشيء يباع وزنا ونحو ذلك.

-       تعارف الناس على تقسيم المهر إلى معجل ومؤجل.

-       التعارف على البيع بالنقد (الحال) أو بالتقسيط.

-       التعارف على تقديم الهدايا أثناء الخطبة، وأن هذه الهدايا لا تحسب من المهر.

-       العرف المحلي أو الدولي في السفر بالطائرة، وأن نفقة الراكب ومسؤوليته تقع على عاتق شركة الطيران منذ تسليمه بطاقة السفر حتى يصل إلى البلد المتجه إليه، فإن تعطلت الطائرة في الطريق كانت نفقات الأكل والنقل والإقامة على الشركة.

 

النوع الثاني: العرف الفاسد

وهو ما يعارض دليلا شرعيا، فيبطل واجبا، أو يحرم حلالا، أو يحل حراما، فهو كل ما يتعارفه الناس، ويشيع بينهم مع مخالفته لحكم شرعي، أو لنص من النصوص، وهذا هو العرف الفاسد أو الباطل، لا قيمة له، ولا يعتد به، ولا يحتج به، ولا يعول عليه، باتفاق العلماء، بل هو آثم، وذنب على صاحبه والعاملين به.

 

التطبيق الفقهي على ذلك:

-       تعارف الناس والبنوك على التعامل بالربا، وسحب الأموال والتمويلات الربوية.

-       تعارف بعض الناس على شرب الخمر.

-       تعارف بعض المجتمعات على التبرج والسفور.

-       تعارف بعض المجتمعات على الاختلاط بين الرجال والنساء.

-       مشي النساء وراء الجنائز وزيارتهن المقابر، وإضاءة الشموع عليها.

-       تقديم الطعام عند الوفاة من أهل الميت إلى المعزين.

-       التعارف على سحب اليانصيب التجاري المحرم.

 

المطلب الثالث : شروط العمل بالعرف[5]

العرف المعتبر عند الفقهاء هو ما كان صحيحا، وكي يكون صحيحا فلا بد من توافر الشروط التالية :

الشرط الأول : أن تكون العادة مطردة أو غالبة

قال السيوطي : " إنما تعتبر العادة إذا اطردت فإن اضطربت فلا  "

ومعنى هذا أن العادة يجب أن تكون معمولا بها في كل الأوقات وأن تكون سمة غالبة لبلد معين تنصرف الأذهان إليها عند كل إطلاق في معاملاتهم، ومعنى اضطرابها أن يتردد معنى اللفظ في معاملات الناس وإطلاقاتهم بين معان مشتركة تساوت في القوة فلا يدرى على ماذا يحمل قصدهم، وهنا يجب البيان حال المعاملة بما يزيل كل إبهام أو إشكال .

 وقد مثل لها السيوطي وغيره بأمثلة منها :

 منها : باع شيئا بدراهم و أطلق نزل على النقد الغالب فلو اضطربت العادة في البلد وجب البيان و إلا يبطل البيع

و منها : غلبت المعاملة بجنس من العروض أو نوع منه انصرف الثمن إليه عند الإطلاق في الأصح كالنقد

و منها : استأجر للخياطة و النسخ و الكحل فالخيط و الحبر و الكحل على من ؟ خلاف صحح الرافعي في الشرح الرجوع فيه إلى العادة فإن اضطربت وجب البيان و إلا فتبطل الإجارة...

وهنا نصطدم مع إشكال وهو هل يلزم من كونها مطردة ألا يكون فيها انخرام في آحاد هذه العادة؟ أي هل حكمها أغلبي أم كلي؟

من المعلوم عند الفقهاء أن مبنى الأحكام الشرعية يكون للغالب ولا عبرة بالشذوذ أو انخرام بعض آحاد القواعد، لكون كل قاعدة فقهية لها استثناءات، وعامة هذه الاستثناءات لا ترقى لمستوى إبطال القاعدة وإسقاطها، فالنادر في الشرع لا حكم له، وهو ما عبر عنه العلماء بقولهم إنما العبرة بالغالب.

فيقول الشاطبي رحمه الله : " وإذا كانت العوائد معتبرة شرعا فلا يقدح في اعتبارها انخراقها ما بقيت عادة على الجملة وإنما ينظر في انخراقها، ومعنى انخراقها أنها تزول بالنسبة إلى جزئي فيخلفها في الموضع حالة إما من حالات الأعذار المعتادة في الناس أو من غير ذلك"

ويقول محمد صدقي البرنو :" أن تكون العادة مطردة، أي أن العمل بموجبها مستمر بين الناس أو معظمهم في شؤون حياتهم، لأن العادة إذا كان يعمل بها في وقت دون وقت لا تصلح أن تكون حكما.

وكذلك يشترط أن تكون العادة غالبة شائعة بين الناس فلا اعتبار لعادة يعمل بها فئة من الناس ولا يعمل بها آخرون"

ويقول عزت عبيد الدعاس :" إنما العادة  المعتبرة التي تبنى عليها الأحكام الشرعية إنما هي المطردة أو الغالبة ، وإن الشيوع في الأكثر كاف إذ لا عبرة للأقل، والعادة المطردة تنزل منزلة الشرط"

الشرط الثاني : العرف الذي تحمل عليه الألفاظ إنما هو المقارن السابق دون المتأخر

 قال الرافعي : العادة الغالبة إنما تؤثر في المعاملات لكثرة وقوعها و رغبة الناس فيما يروج في النفقة غالبا ولا يؤثر في التعليق و الإقرار بل يبقى اللفظ على عمومه فيها .

يقول مصطفى الزرقا :" إنما تعتبر العادة إذا كانت سابقة، فلا عبرة بالعرف الطارئ"

ومعنى هذا أن هذا القيد مهم جدا لكون معاملات الناس يجب أن تحمل على ما تعارفوه من عادات وقت إنجازها، ولا يمكن حمل إطلاقاتهم ومقاصدهم على ما طرأ وحدث من عادات بعد ذلك، ما لم يوجد تصريح بخلافه وقت المعاملة فيعد نقلا عن الأصل المتعارف عليه وبالتالي يجب المصير إليه ولا بد، لأن العرف المطردة ينزل منزلة الشرط كما يقول الفقهاء، فالتصريح بخلافه تصريح بإلغاءه صراحة.

ومثال ذلك :

و لو أقر بألف مطلقة في بلد دراهمه ناقصة لزمه الناقصة في الأصح و قيل يلزمه وافية لعرف الشرع و لا خلاف أنه لو اشترى بألف في هذه البلد لزمه الناقصة لأن البيع معاملة و الغالب : أن المعاملة تقع بما يروج فيها بخلاف الإقرار .

 

الشرط الثالث : أن لا يخالف نصا ثابتا أو أصلا شرعيا قطعيا.

لأن في ذلك ذهاب للشريعة و هدم لأركانها ، فالناس اليوم قد تعارفوا شتى أصناف المنكرات، وقد عمت بها البلوى كشرب الخمر والحكم بالتشريعات الوضعية والنظم الغربية وفتح الحانات والتعامل بشتى أنواع العقود الفاسدة والغرر والجهالة و لبس الحرير والذهب للرجال و لعب القمار واليانصيب والحجاب المتبرج فضلا عن التبرج، ومضاحكة الرجل للمرأة والاختلاط والانفراد بالنساء وتشييع الجنائز مع النساء وملامسة النساء للرجال في الأماكن العامة ووسائل النقل، والفن الهابط والوضيع ، والتمثيل الفاضح والخليع والبناء على المقابر وتسريجها وغيرها من صنوف الفساد الأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي مما لا يمكن أن يستحله إلا فاسق وخارج عن الملة بالإجماع.

لذلك فتعارض العرف مع الشرع .

هو نوعان :

 أحدهما : أن لا يتعلق بالشرع حكم ، فيقدم عليه عرف الاستعمال .

 فلو حلف لا يأكل لحما ؛ لم يحنث بالسمك ، وإن سماه الله لحما ، أو لا يجلس على بساط أو تحت سقف أو في ضوء سراج ، لم يحنث بالجلوس على الأرض وإن سماها الله بساطا ، ولا تحت السماء ، وإن سماها الله سقفا ، ولا في الشمس ، وإن سماها الله سراجا ، أو لا يضع رأسه على وتد ، لم يحنث بوضعها على جبل ، أو لا يأكل ميتة أو دما ، لم يحنث بالسمك والجراد والكبد والطحال ، فقدم العرف في جميع ذلك ؛ لأنها استعملت في الشرع تسمية بلا تعلق حكم وتكليف .

والثاني : أن يتعلق به حكم فيقدم على عرف الاستعمال .

فلو حلف لا يصلي ؛ لم يحنث إلا بذات الركوع والسجود أو لا يصوم ، لم يحنث بمطلق الإمساك ، أو لا ينكح حنث بالعقد لا بالوطء .

أو قال : إن رأيت الهلال فأنت طالق ، فرآه غيرها ، وعلمت به ، طلقت ، حملا له على الشرع فإنها فيه بمعنى العلم لقوله :" إذا رأيتموه فصوموا ".

ولو كان اللفظ يقتضي العموم ، والشرع يقتضي التخصيص ، اعتبر خصوص الشرع في الأصح .

فلو حلف لا يأكل لحما لم يحنث بالميتة ، أو لا يطأ لم يحنث بالوطء في الدبر على ما رجحه في كتاب الأيمان ، أو أوصى لأقاربه لم تدخل ورثته عملا بتخصيص الشرع إذ لا وصية لوارث أو حلف لا يشرب ماء ، لم يحنث بالمتغير كثيرا بزعفران ونحوه .

وقد جاء في مجلة المجمع (ع 5، ج4 ص 2921)

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من 1-6 جمادى الأول 1409هـ الموافق10-15 كانون الأول (ديسمبر)1988م،

بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع العرف ، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله ،

قرر ما يلي :

أولا : يراد بالعرف ما اعتاده الناس وساروا عليه من قول أو فعل أو ترك ، وقد يكون معتبرا شرعا أو غير معتبر .

ثانيا : العرف ، إن كان خاصا ، فهو معتبر عند أهله ، وإن كان عاما ، فهو معتبر في حق الجميع .

ثالثا : العرف المعتبر شرعا هو ما استجمع الشروط الآتية :

أ - أن لا يخالف الشريعة ، فإن خالف العرف نصا شرعيا أو قاعدة من قواعد الشريعة فإنه عرف فاسد .

      ب - أن يكون العرف مطردا (مستمرا ) أو غالبا .

ج - أن يكون العرف قائما عند إنشاء التصرف .

د - أن لا يصرح المتعاقدان بخلافه ، فإن صرحا بخلافه فلا يعتد به .

رابعا : ليس للفقيه - مفتيا كان أو قاضيا - الجمود على المنقول في كتب الفقهاء من غير مراعاة تبدل الأعراف .

 

المبحث الثاني :  تعريف الزواج واركانه وشروط انعقاده وشروط صحته

المطلب الاول : تعريف الزواج واركانه[6]

تعريف الزواج :

 يطلق ويراد به النكاح والنكاح في اللغة: الضم والتداخل يقال: تناكحت الأشجار، إذا انضم بعضها إلى بعض.

        ويطلق النكاح ويراد به عقد الزواج، يقال، نكح فلان امرأة ينكحها نكاحاً إذا تزوجها.

        ويراد به أيضاً الوطء.

        فإذا قالوا: نكح فُلانة أو بنت فلان ، أرادوا تزوجها وعقد عليها.

        وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته، لم يريدوا إلا المجامعة .

والنكاح شرعاً: عقد يتضمَّن إباحة وطءٍ بلفظ إنكاح أو تزويج أو ترجمته.

اركان الزواج :

 ركن الشيء لغة: جانبه الأقوى.

وفي الاصطلاح: ركن الشيء ما لا وجود لذلك الشيء إلا به، كالقيام والركوع والسجود للصلاة .

وأركان الزواج ثلاثة:

 1) الزوجان: وينبغي أن يكونا خاليين من الموانع التي تمنع صحة النكاح، بأن لا تكون المرأة من اللواتي يحرمن على الرجل بنسب، أو رضاع، أو مصاهرة، أو عدة أو غير ذلك.

 2) الإيجاب :  وهو ما يحصل أولاً لإنشاء العقد، بأن يصدر من الولي أو الخاطب، كأن يقول الولي: زوجتك أو أنكحتك ابنتي على مهر قدره كذا، أو يقول الخاطب: تزوجت ابنتك على مهر قدره كذا.

3) القَبول : وهو اللفظ الدال على الرضا بالزواج، فيأتي تالياً لإتمام العقد، ويصدر من الخاطب أو الولي، كأن يقول: قبلت هذا الزواج أو هذا النكاح .

المطلب الثاني : شروط انعقاد عقد الزواج

شروط انعقاد عقد الزواج: هي التي يلزم توافرها في أركان العقد مجتمعةً أو منفردة، أو في أسس العقد وركائزه، وإذا تخلّف شرط واحد منها كان العقد باطلاً باتفاق المذاهب الأربعة،[7] 

وشرائط الانعقاد نوعان: نَوعٌ يرجِعُ إلى العاقِد نفسه الزوج والزوجة وهو العَقْلُ، فلا يَنْعَقِدُ نِكاح المَجْنون والصَّبي الذي لا يَعْقِل؛ لأنّ العقل من شرائط الأهليّة، ونَوعٌ يرجِع إلى مَكان العقد وهو اتّحاد المجلس .

وشرائط الانعقاد أربعةٌ وهي:[8] أهليّة العاقدين بالتمييز وصلاحيتهما لوقوع العقد عليهما، فإذا كان أحد العاقدين فاقد الأهليّة للعقد بأن كان مجنوناً أو صغيراً غير مميّز فلا ينعقد الزواج بعبارته كما لا ينعقد منه أي عقدٍ أو تصرفٍ آخر؛ لأنّ فاقد التمييز ليس له إرادة ولا يُتصوَّر منه رضا يعتمد عليه في العقد. 

اتحاد مجلس العقد: والمقصود باتحاد مجلس العقد أنّ الايجاب إذا صدر من أحد العاقدين فلا يجب أن يوجد من أحدهما ما يدلّ على الإعراض عن إتمام العقد صراحةً أو ضمناً، وألا ينشغل أحدهما بأمرٍ خارجٍ عن موضوع عقد الزواج أثناء إجرائه حتى يصدر القبول؛ لأنه إن وُجِد ذلك يُعدّ فاصلاً للإيجاب فلا يوافق القبول. 

موافقة القبول للإيجاب ولو بشكلٍ ضمني حتى يتحقق اتفاق الإرادتين الصادرتين من العاقدين على شيء واحد محدّد، فإذا خالف القبول الإيجاب لم ينعقد الزواج، إلا إذا كانت المخالفة تؤدّي إلى جلب خير للموجب فإنّها تكون موافقة ضمنيّة.

 سماع كل من العاقدين كلام الآخر مع علم القابل أنّ قصد الموجب بعبارته إنشاء الزواج وإتمام العقد، وعلم الموجب كذلك أنّ قصد القابل الرضا به والموافقة عليه.

المطلب الثالث : شروط صحة عقد الزواج

شرائط الصحة وشروط الصحة: هي التي يجب أن تتوفّر في العقد حتى يترتب عليه الأثر الشرعي بعد تمامه، فإذا تخلّف شرطٌ واحدٌ منها، كان العقد عند فقهاء الحنفيّة فاسداً، وعند جمهور فقهاء المالكيّة والشافعيّة والحنابلة باطلاً[9] وشرائط الصحة اثنان، هما: أن تكون الزوجة غير محرّمة على من يريد الزواج منها بأي سبب من أسباب التحريم المؤبّد أو المؤقّت؛ ومنها مثلاً كما مرَّ سالفاً في ذكر ركن العاقدين أن تَكون مُتَزَوِّجَة، أو مُعْتَدَّة لغيره لم تنتهِ عدّتها الشرعيّة، أو مُطلَّقة منه ثلاث طلقات ما لم تُحَلَّل، أو أن تكون مُرتَدّة، أو غير كتابيّة، أو وثَنِيَّة، أو أَمَة (عَبْدَةً) والنَّاكِحُ حُر، أو تَكونَ مَحْرَماً له، أو زوجةً خامِسَة، أو يَكونُ مُتَزوِّجاً بأخِتها وغيرها ممّن لا يجمع بينه وبينها، فمن عقد على واحدة من هؤلاء ممّن لا يحل له العقد عليهن فزواجه غير صحيح. أن يحضر عقد الزواج شاهدان: وهذا الشرط اشترطه الحنفيّة في حين اعتبره غيرهم ركناً، ويُشترط في الشهود أن يكونا رجلين أو رجلاً وامرأتين؛ لأنه عقد له شأنه ولما يترتب عليه من آثار وحقوق، ولتعلّقه بالأبضاع التي كان الأصل فيها التحريم، ولأنّه يترتب على عدم إعلانه بحضور الشهود أن يشك الناس ويسيئوا الظن إذا رأوا رجلاً يتردد على امرأة بشكلٍ مستمر من غير أن يكونا قد أعلنا زواجهما وشهد على ذلك الناس، وقد ذُكرت شروط الشهود في باب الأركان.[10] 

المبحث الثالث : الزواج الرسمي والعرفي والتفرقة بينهما

المطلب الاول : الزواج الرسمي

يعرف الزواج الرسمي بأنه : ذلك الزواج الذي استوفى شروطه الشرعية وموثقاً توثيقاً رسميا.

 فهو زواج عرفي موثق فتحول من كونه عرفي الى زواج رسمي لمجرد التوثيق .

المطلب الثاني : الزواج العرفي[11]

- يعرف الزواج العرفي بأنه ذلك الزواج الذي استوفى شروطه الشرعية دون أن يوثق رسميا وقد أطلق عليه العامة بالزواج العرفي.

وقد عرفته مجلة البحوث الفقهية باعتباره علما على معنى محدد فقالت: "هو اصطلاح حديث يطلق على عقد الزواج غير الموثق بوثيقة رسمية, سواء أكان مكتوبا أو غير مكتوب"       

وتظهر لنا التعريفات السابقة أن الزواج العرفي زواج شرعي لا يختلف عن الزواج المعتبر  شرعا, ويختلف عن الزواج الرسمي بأنه زواج غير موثق, فلا يلزم التوثيق فيه, أما الزواج الرسمي يلزم فيه التوثيق حتى يكون معتبرا في دوائر الدولة الرسمية والحقوقية.

المطلب الثالث : الفرق بين الزواج الرسمي والزواج العرفي[12]

هناك فرقاً بين الزواج العرفي  وبين الزواج الرسمي، فالزواج حتى يكون رسمياً لابدّ من توثيقه على يد مأذون أما الزواج العرفي فلا يلزم التوثيق فيه.

والسبب في تسمية هذا الزواج بالعرفي:

إن تسمية هذا الزواج بالزواج العرفي، يدل على أن هذا العقد أُكتسب مسماه من كونه عرفاً اعتاد عليه أفراد المجتمع المسلم منذ عهد الرسول عليه السلام وصحابته الكرام، وما بعد ذلك من مراحل متعاقبة، فلم يكن المسلمون في يوم من الأيام يهتمون بتوثيق الزواج، ولم يكن ذلك يعني بالنسبة إليهم أي حرج، بل اطمأنت نفوسهم إليه. فصار عرفاً عُرِف بالشرع، وأقرهم عليه، ولم يردّه في أي وقت من الأوقات.

"عقد الزواج إذا استوفى أركانه وشروطه الشرعية تَحِلُّ به المعاشرة بين الزوجين، وليس من شرائطه الشرعية إثباته كتابة في وثيقة رسمية ولا غير رسمية، وإنما التوثيق لدى المأذون أو الموظف المختص، نظام أوجبته اللوائح والقوانين الخاصة بالمحاكم الشرعية خشية الجحود وحفظاً للحقوق، وحذّرت من مخالفته لما لهُ من النتائج الخطيرة عند الجحود".

المبحث الرابع : اثبات الزواج العرفي والحقوق والمشاكل المترتبة عليه

المطلب الاول : اثبات الزواج العرفي

المطلب الثاني : الحقوق المترتبة على الزواج العرفي

المطلب الثالث : المشاكل المترتبة على الزواج العرفي

الخاتمة

-         خلصنا من خلال بحثنا الى ان

1-  التوثيق ليس من الشروط الشرعية لعقد الزواج :

يبين من أركان و شروط عقد الزواج أن توثيق الزواج أو تسجيله في ورقة أو وثيقة لم يكن ركناً من أركانه ،  أو شرطاً من شروط  انعقاده أو صحته  فقد كان الزواج ينعقد صحيحاً دون توقف على شئ من ذلك ،  ما دامت شروط العقد قد توافرت ، و هو العقد الذي كان معهوداً عند المسلمين إلى عهد قريب نسبياً،  و قد كان الضمير الإيماني كافياً عند الطرفين في الإعتراف به ،  و في القيام بحقوقه الشرعية على الوجه الذي يقضي به الشرع ،  و يتطلبه الإيمان

 

4-  كما لاحظنا ان اسباب ظهور الزواج الرسمي هي    :

ملاحظة أولياء الأمر في العصر الماضي استغلال بعض أصحاب النفوس الضعيفة لعدم تسجيل عقد الزواج أو توثيقه في ورقة أو وثيقة ،  حيث لم تشترط الشريعة الإسلامية ذلك حسبما سلف البيان ،  و ذلك بإدعائهم للزوجية – حيناً – زوراً و بهتاناً ،  معتمدين في ذلك على سهولة إثباتها بشهادة الشهود الذين لا يخشون في الباطل لومة لائم ،  أو إنكارهم لها – حيناً آخراً – تخلصاً وتهرباً من حقوقها ، أو لغير ذلك من الأسباب ، مع عجز الطرف الآخر عن إثباتها أمام القضاء .

كما خلصنا الى ان هناك أسبابا للجوء للزواج العرفي  :

وتتعدد أسباب اللجوء للزواج العرفي ، الذي يلجأ إليه الصغار و الكبار، إلا أنه يصعب تحديدها تحديداً جامعاً ، إذا أن ذلك يحتاج إلى كثير من الأبحاث و الإحصاءات الدقيقة والمتنوعة لحالاته التي لا يمكن حصرها ، فضلاُ عن أن هذا الزواج غالباً ما يتم سراً ، و قد أجهد الباحثون أنفسهم في ذلك  و تعددت  بهم السبل  ، ومع ذلك فيمكن رد هذه الأسباب إلى : أسباب إجتماعية ،  مادية أو اقتصادية ، ثقافية و أخلاقية ،  قانونية ، و دينية . 

 و على ذلك سنتحدث عن كل نوع من هذه الأسباب بإيجاز على النحو التالي :

أولاً  :  أسباب اجتماعية  :    منها :

أ – المكانة و المركز الأدبي للزوج ،  لا سيما إذا كان متزوجاً بأخرى ، و يريد التزوج بامرأة أقل منه في المستوى الإجتماعي أو المادي ، كزواج المحامي من سكرتيرته ، أو رئيس الشركة أو مديرها من السكرتارية ، و زواج صاحب البيت من الخادمة ، و غير ذلك كثير، فلا يجد مناصاً من اتخاذ الزواج العرفي سبيلاً لذلك خشية من القيل والقال ، و حفاظاً على مركزه ومكانته أمام الناس .

ب – عدم رغبة الرجل المتزوج عند الزواج بأخرى ، في ترك أو تطليق زوجته الأولى ، حفاظاً منه عليها وعلى أولاده ، و حتى يتمكن من رعايتهم ، فيلجأ للزواج العرفي تحقيقاً لذلك .

ج -  سفر الآباء إلى الخارج ، و الإكتفاء ، في رقابة ورعاية أولادهم ، بإرسال الأموال لهم ،  مما أدى إلى سوء استغلال الأولاد لهذه الأموال ،  عن طريق استغلالها في الزواج العرفي ،  دون أن يجدوا محذراً منه أو مربياً .

د -  رفض الآباء زواج الأبناء ممن يختارونها أو العكس ، لانتفاء التناسب الطبقي بين الفتى والفتاة ،  الأمر الذي لا يجد معه الإبن أو الإبنة بداً من تنفيذ رغبته هو أو رغبتها هي دون علم أسرته أوأسرتها عن  طريق الزواج العرفي .

هـ -  اندثار كثير من الرجال بمعنى الكلمة ،  الذين يدركون معنى  المسئولية و مستلزماتها  ،  و الصواب والخطأ ، ويحسنون صنعاً ، و يسعون في الأرض صلاحاً ، و إذا أردنا أن نعرف معناً من معاني الرجولة أو الرجال ، فالنقرأ قوله تعالى في سورة النور آية 36 و 37 :  "  فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهً أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُه يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَ الْآصَال .  رِجَالٌ لَا تُلْهِيِهِم تِجَارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْر اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَ إِيتَاءِ الزَّكاةِ ،  يَخَافُونَ يَوْمَاً تَتَقَلَّبُ فِيه الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ  " ،  و قوله تعالى في سورة الأحزاب آية 23 :  "  مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ِرجَالٌ صَدَقُوْا مَا عَاهَدُوْا اللهَ عَلَيْهِ ،  فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرْ ، وَ مَا بَدَّلُوْا تَبْدِيْلَا  " ، و في التعبير القرآني في تلك  الآيات إشارة واضحة إلى الفرق بين الرجولة و الذكورة ، ذلك الفرق الذي لا يدرك معناه و يتحقق به إلامن كان له قلب أو ألقى السمع و هوشهيد .

فأين هؤلاء الرجال بحق ممن يزعمون لأنفسهم الرجولة اليوم بدون وجه حق ، و هم في الحقيقة أشباه رجال ، إن أحسنا بهم الظن ، أولئك الذين ينتحلون الرجولة ، و الرجولة منهم براء ،  أولئك الذين اتخذوا من الزواج العرفي موطئاً لقضاء رغبات طارئة ، و مصالح موهومة غير مشروعة ،  ليذوقوا من خلاله برداً و شراباً ، و هم في الحقيقة يمهدون لأنفسهم في جنهم مهاداً و غساقاً .

ثانياً :  أسباب ثقافية و أخلاقية :  منها :

أ – الحصول على المتعة و لو بطريق غير شرعي ، إذ يحدث أن يعجز الرجل عن إقامة علاقة كاملة مع فتاة بشكل غير شرعي ،  و هنا يوهمها بالزواج العرفي وصولاً لما يضمره  في نفسه ،  و ليس بنية حقيقية في الزواج منها .

ب – ابتزاز الفتاة للفتى ، للإستيلاء على أمواله ،  فتتخذ من الزواج العرفي مطية لذلك ، لا سيما مع أبناء الأغنياء .

ج – تناقص دور الثقافة الإسلامية بين الشباب ،  و هو أمر واضح في مناهج التعليم بمراحلها المختلفة ، و في وسائل الإعلام  المتنوعة ، و الثقافة المتواجدة على الساحة – و المأذون فيها – ليست إلا طغيان للفكر الغربي اللا أخلاقي ، عن طريق وسائل الأعلام عندنا ،  سواء في صورة مسلسلات و أفلام غربية فكراً و تقاليداً ، أو مصرية عربية اسماً في حين أنها منقولة في جوهرها عن الفكر الغربي ، فنجد العلاقات الجنسية المنحلة و التي أطلقوها من عقالها و من القيود منتشرة في وسائل الإعلام ، مما ساعد على الإعتقاد بأنها الأصل في علاقة الرجل بالمرأة ، و أنها بهذه الصورة ليست سوى الوضع الطبيعي ، الأمر الذي أشعل نار الشهوة الجنسية داخل الفتى و الفتاة ، و ترتب عليه بالتبعية تسرع الشباب في إشباع هذه الرغبة بهذا الزواج الخفي .

د – و من العوامل الهامة التي ساعدت على انتشار هذا الزواج ، و في ظل غياب أو تغييب الثقافة الإسلامية الموضح سلفاً ، الإختلاط المباح دون رقابة أو حدود  و لفترات طويلة و لغير حاجة بين الشباب و الشابات ، لأن الطبيعة البشرية توجد نوعاً من التجاذب الطبيعي بين الذكر و الأنثى ، هذه الجاذبية غالباً ما تتطور وتصل إلى نشأة شعور عاطفي يتحول إلى إحساس جنسي ، و هذه هي فطرة الإنسان ، و في مرحلة الشباب تكون الأحاسيس الجنسية والعاطفية في ذروتها ، و في نفس الوقت تكون غير محصنة بالقيم الأخلاقية و الإجتماعية ، و بالتالي يحدث عدم السيطرة على النفس في حالة التربية الأسرية الخاطئة التي أباحت الحرية المطلقة لكثيرمن الأبناء ،  و سمحت لهم بزيارة الأصدقاء و الذهاب في رحلات طويلة تقتضي المبيت خارج منزل الأسرة لأيام عديدة ، بما يؤدي ليس فقط لمثل هذا الزواج ، بل لعواقب وخيمة نلمسها جميعاً من خلال الواقع ، و صح القول عندي أن الأسرة – ذاتها - تمهد لهذا الزواج .  إن الإثارة الجنسية الناتجة عن الإختلاط الشديد غير المنضبط في مجالات التعليم والعمل و خروج المرأة بصورة سافرة – على نحو ما نعاينه يومياً رضينا أم أبينا -  تؤدي إلى إثارة الرجل و استفزاز غرائزه ،  فينتج عنها هذه العلاقة التي تتخذ لها ستاراً يسمى الزواج العرفي ،  ولم يعد خافياً على أحد أن إثارة الغرائز الجنسية امتد إلى صغار السن ممن لم يكن يدرون – وفقاُ للمجرى العادي للأمور – عن هذه الأمور شيئاً ، و هو نذير شر ، تزداد شرارته تباعاً .  إن الله تعالى حدد لنا كيف تكون العلاقة بين الذكر و الأنثى ، حتى بين الأخوة و الأخوات ، و أمرنا أن نفرق بينهم في المضاجع ، و لكننا اتبعنا الشهوات وأضعنا الصلاة ، و تناسينا أوامر الله و حدوده حتى كدنا ننساها فعلاً ،  إلا من عصمه الله ،  فحق علينا ما نحن فيه من بلاء ،  و لولا أن قيض الله لنا في كونه و خلقه أسباباً للذكرى , لعظمت البلوى .

هـ - الإحساس النفسي للرجل و المرأة  على السواء تجاه علاقتهما غير السوية ، هذا الإحساس يزيد من الصراع الداخلي لديهما و الإحساس بعقدة الذنب و عدم مصداقية هذه العلاقة و أنها مرفوضة شكلاً و موضوعاً من المجتمع ،  و تخفيفاً لذلك يحاولون إيجاد مهرب و مبرر ظاهري لتقنين هذه العلاقة في صورة الزواج العرفي .

  ثالثاً : أسباب مادية و اقتصادية :  و منها :

أ – أعباء الزواج المادية من توفير مسكن و تجهيزه و من مهر و شبكة وخلافه،  و المبالغة فيها .

ب – قلة الأجور و انتشار البطالة و غلاء المعيشة لا تمكن الشباب من استكمال مقومات الزواج المادية ، فلا يجد ملجأ له إلا الزواج العرفي ،  حيث يكفيه الخلوة في مسكن أحد أصدقائه أو تأجير غرفة بسيطة في أي مكان .

ج – رغبة بعض الأسر في زواج بناتهم من أجانب استهدافاً و طلباً للمال، بتزويجهن عرفياً .

د – لجوء الزوجة التي توفي زوجها و لها منه ولد واحد لم يصل لسن التجنيد ،  و ترغب في الزواج بعده إلى الزواج العرفي في محاولة منها لحصول ابنها على الإعفاء من الخدمة العسكرية لكونه العائل الوحيد لها ،  و كذا في حالة رغبة الزوجة المتوفي عنها زوجها و تستحق عنه معاشاً إلى هذا الزواج للحفاظ على استمرار استحقاقها للمعاش .

رابعاً : أسباب قانونية : و منها :

أ – الحق الذي منحه القانون للزوجة في طلب الطلاق إذا تزوج عليها زوحها من أخرى و تضررت من ذلك الزواج الثاني ، و هو ما يجعل الزوج الراغب في الزواج ثانية مع تمسكه بزوجته الأولى و الحفاظ على أسرته مضطراً لأن يلجأ إلى الزواج العرفي إخفاءً للزيجة الثانية ، لاسيما و أن القانون يوجب إعلان و إخطار الزوجة الأولى بالزواج الثاني .

ب – ما منحه القانون للمطلقة الحاضنة من حق في الإستقلال بمسكن الزوجية هي و محضونها ،  و نظراً للعجز الواضح عن توفيرالمسكن ، و هروباً من هذا الإلتزام إذا تحقق موجبه يلجأ الرجل إلى الزواج العرفي .

ج –  إجازة تزويج المرأة البالغة العاقلة نفسها دون ولي ، عملاُ بمذهب الإمام أبي حنيفة ،  مما يترتب عليه أن تتزوج الفتاة عرفياً  دون رقيب و تحت تأثير الشاب و عواطفها و نزواتها ، و الناظر لحال كثيرمن فتيات اليوم و سلوكياتهن يدرك مدى خطورة منحهن هذا الحق .

خامسا :  أسباب دينية :

هي أهم الأسباب المؤدية إلى هذه الظاهرة ، و يمكن حصرها في قلة الوازع الديني و اندثار القيم و المبادئ القويمة، فضلاً عن السلوكيات الدخيلة التي ليست من الدين في شئ ،  و رغم أهمية هذه الأسباب الدينية – و التي تؤكد عليها أحكام المحاكم و الأبحاث التي تجري – فالتهوين من شأنها قائم و تغييب الوازع الديني حائم ،  و لا حول لنا و لا قوة إلا بالله العلي العظيم .

( يراجع في تفصيلات هذه الأسباب و مزيد منها : مجلة منبر الإسلام – عدد شهر صفر سنة 1418 هـ ص 87 وما بعدها ،  المستشار/ حسن حسن منصور – المرجع السابق – ص 185 وما بعدها ).



[1] إبن منظور, أو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم, لسان العرب, بيروت, دار صادر, ط 1, 1990, 9/236.

[2] الخياط, عبد العزيز, نظرية العرف, عمان, مكتبة الأقصى, ص 24.

[3] موقع المسلم http://www.almoslim.net

[7] وهبة مصطفى الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته (الطبعة الرابعة)، دمشق: دار الفكر، صفحة 6532-6533، جزء 9.

[8] عبدالوهاب خلاف (1938)، أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية (الطبعة الثانية)، بيروت: دار الكتب المصرية، صفحة 23-50.

[9] وهبة مصطفى الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته (الطبعة الرابعة)، دمشق: دار الفكر، صفحة 6532-6533، جزء 9.

[10] عبدالوهاب خلاف (1938)، أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية (الطبعة الثانية)، بيروت: دار الكتب المصرية، صفحة 23-50.

[11]   موقع المسلم http://www.almoslim.net

[12] http://www.f-law.net/law/threads/55719-ما-الفرق-بين-الزواج-العرفى-والزواج-الرسمى-؟

ملحوظة : هذا المقال لغرض التوعية القانونية بشكل عام حول هذا الموضوع ولا يغني عن استشارة محامٍ في موضوعك أنت تحديدا .

خاتمة واستشارة قانونية:

​إن الإلمام بقواعد العمل أمام القضاء يتطلب دقة شديدة وعلماُ بالإجراءات والمواعيد .

​في مكتب الأستاذ محمد إسماعيل منصور المحامي ، نتولى عنكم كافة الإجراءات ومتابعة القضايا لضمان استرداد حقوقكم في أسرع وقت

رابط طلب الاستشارة القانونية الآن

​للتواصل والاستفسار:

واتساب: 00201090765411


تعليقات