​هل يمكن للمحكمة محاكمة أشخاص لم تشملهم التحقيقات؟ تعرف على "حق التصدي

بقلم الأستاذ : محمد اسماعيل منصور المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة/ ماجستير القانون العام.


صلاحية التصدي: قراءة في تعديلات قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025

​تُعد سلطة التصدي من أخطر وأهم الصلاحيات التي يمنحها المشرع للمحكمة الجنائية، فهي تمثل استثناءً على الأصل العام الذي يقضي بأن النيابة العامة هي الأمينة على الدعوى الجنائية والجهة الوحيدة المختصة بتحريكها. 

وقد جاءت المواد (13، 14، 15) من قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025 لترسيخ هذا الدور الإيجابي للقضاء في كشف الحقيقة.

أولاً: فلسفة حق التصدي في القانون المصري

​يهدف المشرع من منح محاكم الجنايات (بدرجتيها) ومحكمة النقض حق إقامة الدعوى الجنائية إلى منع إفلات الجناة من العقاب نتيجة قصور في التحقيقات الأولية أو ظهور أدلة جديدة أثناء المحاكمة. فالمحكمة هنا لا تكتفي بدور "الحكم الساكن"، بل تمتد سلطتها لتشمل وقائع أو متهمين لم تشملهم صحيفة الاتهام الأصلية.

ثانياً: حالات إقامة الدعوى بمعرفة المحكمة (المادة 13)

​حددت المادة (13) ثلاثة مسارات تسمح لمحكمة جنايات أول درجة بالتدخل:

  1. ظهور متهمين جدد: إذا تبين للمحكمة وجود أشخاص آخرين ساهموا في الجريمة ولم تقدمهم النيابة للمحاكمة.
  2. وقائع جديدة: إذا تكشفت أثناء الجلسات وقائع أخرى مرتبطة بالتهمة الأصلية.
  3. المرتبط من الجنايات والجنح: لضمان وحدة المحاكمة وعدم تضارب الأحكام.

الضمانة القضائية: منعاً لجمع سلطتي الاتهام والحكم في يد واحدة، أوجب القانون أن تُحال هذه الدعاوى للتحقيق، ولا يجوز للقاضي الذي قرر تحريكها أن يجلس للفصل في موضوعها.

ثالثاً: حماية هيبة العدالة ونزاهة الشهادة (المادة 15)

​لم يقصر القانون حق التصدي على الجرائم الأصلية فقط، بل مده ليشمل الجرائم التي تقع أثناء نظر الدعوى وتستهدف النيل من سير العدالة، مثل:

  • ​محاولات التأثير على القضاة.
  • ​الضغط على الشهود أو ترهيبهم.
  • ​الإخلال بنظام الجلسة أو الاحترام الواجب للمحكمة.

​هنا، أجاز القانون للمحكمة إقامة الدعوى فوراً، مما يشكل رادعاً قانونياً حازماً لكل من يحاول العبث بقدسية منصة القضاء.

رابعاً: تكريس التقاضي على درجتين (المادة 14)

​من أبرز ما استحدثته التعديلات الأخيرة هو تأكيد سريان هذه القواعد أمام محاكم الجنايات المستأنفة

هذا التوجه يتماشى مع الدستور المصري الذي جعل التقاضي في الجنايات على درجتين، مما يضمن أن تظل سلطة التصدي قائمة ومفعلة حتى في مرحلة الاستئناف، وصولاً إلى محكمة النقض عند نظرها للموضوع.

الخلاصة:

​إن نصوص المواد 13 و14 و15 من قانون الإجراءات الجنائية ليست مجرد نصوص إجرائية، بل هي ضمانة لسيادة القانون.

 فهي تضمن ألا تغل يد المحكمة عن ملاحقة أي مجرم أو واقعة تظهر أمامها، مع الحفاظ الكامل على حيدة القاضي عبر نظام الإحالة لدوائر أخرى، مما يحقق التوازن الدقيق بين سرعة الإنجاز وضمانات الدفاع.



تنبيه قانوني: هذا المقال لغرض التوعية القانونية العامة فقط، ولا يغني عن استشارة محامٍ متخصص في موضوعك تحديداً نظراً لتغير القوانين وتشعب الحالات.

خاتمة واستشارة قانونية:

إن الإلمام بمواعيد وإجراءات التقاضي هو حجر الزاوية في استرداد الحقوق.

الأستاذ : محمد اسماعيل منصور
المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة/ ماجستير القانون العام


جميع الحقوق محفوظة © 2026 للأستاذ محمد اسماعيل منصور المحامي 

يمنع نسخ أو إعادة نشر هذا المحتوى دون ذكر المصدر برابط مباشر، حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية والجهد المبذول في التأصيل القانوني.

تعليقات