شهدت ساحات المحاكم المصرية مؤخراً حكماً قضائياً بارزاً أصدرته دائرة الأحوال الشخصية بمحكمة النقض في يناير 2026، أعاد صياغة الحدود الفاصلة بين حرية الاعتقاد الشخصي وبين القواعد القانونية المنظمة للنظام العام في الدولة. و جاء ذلك ضمن حيثيات الطعن رقم 39 لسنة 94 قضائية ، الصادر بجلسة 2026/1/27 ، والذي حسمت فيه المحكمة الجدل حول إثبات عقود الزواج لغير معتنقي الأديان السماوية المعترف بها.
أولاً: خلفية النزاع.. من "الأسرة" إلى "النقض"
بدأت القضية بدعوى "إثبات زواج" أقامتها سيدة بهائية، تطلب فيها من القضاء المصري الاعتراف بعقد زواجها العرفي المبرم منذ ثمانينات القرن الماضي.
وبالفعل، حصلت على حكم من محكمة أول درجة بإثبات الزواج، وهو الحكم الذي أيدته محكمة الاستئناف لاحقاً لأسباب إجرائية (سقوط حق الحكومة في الاستئناف).
إلا أن الدولة، ممثلة في وزيري الداخلية والعدل، طعنت بالنقض، معتبرة أن هذا الحكم يمس "النظام العام" للدولة.
ثانياً: التمييز بين حرية العقيدة والآثار القانونية
في حيثياتها التاريخية، وضعت محكمة النقض خطاً فاصلاً بين مفهومين يختلطان كثيراً:
- حرية العقيدة: وهي حق الفرد في اعتناق ما يشاء من أفكار، وهو أمر مكفول دستورياً ولا تتدخل فيه الدولة.
- الممارسة القانونية: وهي خضوع التصرفات المدنية (مثل الزواج والطلاق) للنظام القانوني للدولة، والذي يشترط ألا تتصادم هذه الممارسات مع الثوابت الاجتماعية والقانونية المستقرة.
ثالثاً: البهائية ومفهوم النظام العام في مصر
استندت المحكمة في رفضها لإثبات الزواج إلى أن البهائية ليست من الأديان السماوية الثلاثة (الإسلام، المسيحية، اليهودية) المعترف بها رسمياً في الدساتير والقوانين المصرية. وبناءً عليه، استنتجت المحكمة الآتي:
- لا يجوز إثبات ديانة غير سماوية في الأوراق الرسمية أو سجلات الأحوال المدنية.
- أي عقد زواج يقوم على أسس تخالف النظام العام (الذي يستمد قواعده من الأديان السماوية) يُعد عقداً لا يعتد به قانوناً.
- احترام النظام الدستوري والاجتماعي للدولة "واجب مقدّم" على أي إجراءات شكلية أو مواعيد قانونية.
رابعاً: "الانعدام" لا "البطلان"
من الناحية الفنية، اعتبرت المحكمة أن الحكم السابق صدوره بإثبات الزواج هو حكم "مخالف للدستور والنظام العام"، وبالتالي فهو حكم لا وجود له قانوناً ولا ينتج أثراً.
لهذا السبب، قررت المحكمة نقض الحكم وتصديها للموضوع مباشرة برفض الدعوى، لتقطع الطريق أمام أي محاولة مستقبلية لاستخدام الأحكام القضائية كذريعة لتغيير هوية السجلات الرسمية في الدولة.
و اقرأ أيضاً 👈 الملاحقة الدولية للمتهمين المحكوم عليهم
تنبيه قانوني: هذا المقال لغرض التوعية القانونية العامة فقط، ولا يغني عن استشارة محامٍ متخصص في موضوعك تحديداً نظراً لتغير القوانين وتشعب الحالات.
خاتمة واستشارة قانونية:
يؤكد هذا الحكم أن القضاء المصري، رغم حمايته للحقوق والحريات، يضع "النظام العام" كإطار حاكم لا يجوز تجاوزه.
فالاعتراف بالزواج في مصر ليس مجرد إثبات لعلاقة بين طرفين، بل هو مركز قانوني يتطلب التوافق مع المنظومة التشريعية والديانات المعترف بها رسمياً، لضمان استقرار المجتمع وتماسك مؤسساته القانونية.
و تجب ملاحظة أن : الإلمام بمواعيد وإجراءات التقاضي هو حجر الزاوية في استرداد الحقوق.
الأستاذ : محمد اسماعيل منصور
المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة/ ماجستير القانون العام
جميع الحقوق محفوظة © 2026 للأستاذ محمد اسماعيل منصور المحامي
يمنع نسخ أو إعادة نشر هذا المحتوى دون ذكر المصدر برابط مباشر، حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية والجهد المبذول في التأصيل القانوني.


